بخرقة ، وعلى كتفه خرقة ، ومعه أطيار مذبّحة ، وأطيار أحياء . فلمّا رآنا تبسّم إلينا وقال : ما جاء بكم ؟ فقلنا : فقدناك ، وقد كنت عمرت مجلسنا ، فما غيّبك عنّا ؟ قال : إذا أصدقكم . كان لنا جار كنت أستعير منه كلّ يوم ذلك الثّوب الذي كنت آتيكم فيه ، وكان غريبا ، فخرج إلى وطنه ، فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه . ( * هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا ممّا رزق اللّه عزّ وجلّ ؟ فقال بعضنا لبعض : ادخلوا منزله . فجاء إلى الباب فسلّم * ) « 1 » ، ثم صبر قليلا ، ثم دخل فأذن لنا ، فدخلنا ، فإذا هو قد أتى بقطع من البواري « 2 » ، فبسطها لنا فقعدنا ، فدخل إلى المرأة ، فسلّم إليها الأطيار المذبّحة ، وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال : أنا « 3 » آتيكم - إن شاء اللّه - عن قريب . فأتى السّوق فباعها ، واشترى خبزا ، فجاء وقد طبخت المرأة ذلك الطّير وهيّأته ، فقدّم إلينا خبزا ولحم طير ، فأكلنا . فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء . فلمّا قام ، قال بعضنا لبعض : رأيتم مثل هذا ؟ ألا تغيّرون أمره وأنتم سادة أهل البصرة ؟ فقال أحدهم : عليّ خمس مائة ، وقال الآخر : عليّ ثلاث مائة ، وقال هذا وقال هذا ، وضمن بعضهم أن يأخذ له من غيره . فبلغ الذي جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم . فقالوا : قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا المال ، ونسأله أن يغيّر بعض ما هو فيه . فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانا ، فمررنا بالمربد « 4 » ، فإذا محمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظرة « 5 » له ، فقال : يا غلام ، ائتني بإبراهيم بن شبيب من بين القوم .
هامش
( 1 ) ( * - * ) ما بينهما ليس في ( ب ) .
( 2 ) البواري : جمع باريّة وبورياء : فارسي معرّب ، وهو الحصير المنسوج ، أو المعمول من القصب . اللسان ( بور ) .
( 3 ) في ( ب ) : « إني » .
( 4 ) المقصود به هنا مربد البصرة : وهو من أشهر محالّها ، وكان سوق الإبل فيه قديما ، ثم صار محلّة عظيمة سكنها الناس ، وبه كانت مفاخرات الشعراء ، ومجالس الخطباء . معجم البلدان ( مربد ) .
( 5 ) المنظرة : بفتح الميم والظاء : موضع في رأس جبل فيه رقيب ينظر العدو يحرسه . -