وجرحي أنغل « 1 » من جرحك ؟ قال : وإن كان كذلك ، فإنّي مشتاق منك إلى ذلك . قلت : لئن تمسّكت باحتفار قبرك في بيتك ، وبوصيّة رسمتها بعد وفاتك ، وبكفن أعددته ليوم موتك ، فإنّ للّه عبادا اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم . فصاح صيحة ، ووقع في قبره ، وجعل يفحص برجليه وبال .
فعرفت ذهاب عقله ، فخرجت إلى طحّان على بابه فقلت : ادخل فأعنّا على هذا الشّيخ . فاستخرجناه من قبره وهو في غشيته ، فقال لي الطّحّان :
ويحك ! ما صنعت ؟ فخرجت وتركته صريعا . فلمّا كان الغد ، عدت إليه ، فإذا بشريط قد شدّ به رأسه لصداع وجده . فلمّا رآني قال : يا أبا السّري ، المعاودة رحمك اللّه ! فقلت له : أين بلغت أيها المتعبّد من أحزانك ؟ تاللّه لكأنّي انظر إلى آكل الفطير ، والصابر على خبز الشعير يأكل ما اشتهى ، ويسعى عليه بلحم طير ، ويسقى من الرّحيق المختوم . فشهق شهقة ، فحرّكته ، فإذا هو قد فارق الدّنيا « 2 » .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
( 381 ) أبو عبد اللّه بن أبي جعفر البراثي « * »
من عبّاد بغداد ومشاهيرها .
قال أبو مريم : قلت لأبي عبد اللّه البراثي : كم تبكي ! « 3 » لم هذا البكاء ؟
هامش
( 1 ) في ( أ ) و ( ب ) : « أثقل » وهو تصحيف ، والمثبت من صفة الصفوة : 4 / 239 ، ومختصر تاريخ دمشق : 25 / 361 . ونغل الجرح نغلا : فسد . اللسان ( نغل ) .
( 2 ) تاريخ بغداد : 13 / 77 - 78 ، وصفة الصفوة : 4 / 239 - 240 ، وتاريخ ابن عساكر : 17 / الورقة 113 أ .
( * ) ترجمته في : الأنساب للسمعاني : 2 / 117 ، وصفة الصفوة : 2 / 388 .
والبراثي : بفتح الباء الموحدة والراء ، وفي آخرها الثاء المثلثة : نسبة إلى براثا ، وهو موضع ببغداد متصل بالكرخ . انظر أنساب السمعاني : 2 / 117 .
( 3 ) في ( ب ) : « لم تبكي » .