قلت : كلام عون بن عبد اللّه كثير ، ومواعظه بليغة ، ومعاتباته لنفسه طويلة ، فإنّه كان آية في فنّه .
رحمة اللّه عليه ورضوانه .
( 380 ) أبو عبّاد الشّاميّ « * »
قال منصور بن عمّار : قال لي رجل بالشّام : يا أبا السّريّ ، عندنا رجل من العبّاد من أهل واسط العراق ، لا يأكل إلّا من كدّ يديه ، وقد دبرت من سفّ الخوص « 1 » صفحة يديه ، ولو رأيته لوقذك « 2 » النّظر إليه ، فهل لك أن تمضي بنا إليه ؟ قلت : نعم . فأتيناه ، فدققنا عليه الباب ، فخرج إلينا ، فسمعته يقول : اللهمّ إنّي أعوذ بك ممّن جاء يشغلني عمّا أتلذّذ به من مناجاتك . ثم فتح الباب فدخلنا ، فإذا برجل ترى به الآخرة ، وإذا قبر محفور ، ووصيّته قد كتبها في الحائط ، وكساؤه قد أعدّه لكفنه . فقلت : أيّ موقف لهذا الخلق ؟ فقال : بين يدي من ؟ ثم صاح وخرّ لوجهه ، ثم أفاق من غشيته ، فقال له صاحبي : يا أبا عبّاد ، هذا أبو السّريّ ، منصور بن عمّار . فقال لي : مرحبا يا أخي ، ما زلت إليك مشتاقا ، أعلمك « 3 » أنّ بي داء قد أعيا المتطبّبين قبلك قديما ، فهل لك أن تأتّى له برفقك ، وتلصق عليه بعض « 4 » مراهمك ! لعلّ اللّه أن ينفع بك ؟ قلت : وكيف يعالج مثلي مثلك ،
هامش
( * ) ترجمته في : صفة الصفوة : 4 / 239 .
( 1 ) سفّ الخوص : نسجه بالأصابع ، والدّبر : أن يقرح خفّ البعير . اللسان ( دبر ) .
( 2 ) في ( ب ) : « لسرّك » والوقذ : الضّرب الشديد المفضي إلى الألم والحزن والضعف ، والوقيذ : الذي يغشى عليه فلا يدرى أميت أم لا . اللسان ( وقذ ) .
( 3 ) ليست لفظة « أعلمك » في ( ب ) .
( 4 ) ليست لفظة « بعض » في ( أ ) .