وقال عبد الرحمن بن الحسين : اجتمع مشايخ بغداد عند أبي حفص وقت قدومه إليها ، وسألوه عن الفتوّة فقال : تكلّموا أنتم ، فإنّ لكم العبارة واللّسان .
فقال الجنيد : الفتوّة إسقاط الرّؤية ، وترك النّسبة . فقال أبو حفص : ما أحسن ما قلت ! ولكنّ الفتوّة عندي أداء الإنصاف ، وترك مطالبة الانتصاف « 1 » . فقال الجنيد : قوموا يا أصحابنا فقد زاد أبو حفص على آدم وذرّيّته .
فلما أراد الخروج من بغداد ، شيّعه مشايخها وفتيانها ، فلمّا أرادوا أن يفارقوه قال له بعضهم : دلّنا على الفتوّة ما هي ؟ فقال : الفتوّة تؤخذ استعمالا ومعاملة لا نطقا . فعجبوا من كلامه ! فقيل له : ما علامة الفتى ؟ قال : من يرى الفتيان ولا يستحي منهم في شمائله وأفعاله فهو فتى « 2 » .
وقال : الكرم طرح الدّنيا لمن يحتاج إليها ، والإقبال على اللّه تعالى لاحتياجك إليه « 3 » .
وقال : إذا رأيت المحبّ ساكنا هادئا فاعلم أنّه قد وردت عليه غفلة ، فإنّ الحبّ « 4 » لا يترك صاحبه يهدأ ، بل يزعجه في الدّنوّ والبعد ، واللّقاء والحجاب .
وقال : التّصوّف كلّه أدب ، ومن ضيّع الأدب فهو بعيد من حيث يظنّ القرب ، ومردود من حيث يظنّ القبول « 5 » .
وقال : حسن أدب الظّاهر عنوان [ حسن ] « 6 » أدب الباطن ، ولأنّ النبيّ
هامش
( 1 ) في طبقات الصوفية 118 ، والحلية 10 / 230 ، والرسالة القشيرية 1 / 106 :
« الإنصاف » .
( 2 ) طبقات الصوفية 118 .
( 3 ) طبقات الصوفية 119 ، والحلية : 10 / 230 .
( 4 ) في ( أ ، ب ) : « المحب » ، والمثبت من طبقات الصوفية 119 .
( 5 ) طبقات الصوفية 119 .
( 6 ) اللفظة مستدركة من طبقات الصوفية 122 ، والحلية 10 / 230 .