تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لسفركم من الدّنيا إلى الآخرة التّقوى ، وكونوا كمن عاين ما أعدّ اللّه من ثوابه وعقابه . ترغبوا وترهبوا ، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ، وتنقاد لعدوّكم . فما بسط أمل من لا يدري لعلّه لا يصبح بعد مسائه ، ولا يمسي بعد صباحه ! ؟ ولربّما كانت بين ذلك خطفات المنايا ؛ فكم رأيت ورأيتم من كان بالدّنيا مغترّا ، وإنّما تقرّ عين من وثق بالنّجاة من عذاب اللّه تعالى ، وإنّما يفرح من أمن من أهوال يوم القيامة . فأمّا من لا يداوي كلما إلّا أصابه جرح من ناحية أخرى ! « 1 » أعوذ باللّه أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر . لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لا نكدرت ، ولو عنيت به الجبال لذابت ، ولو عنيت به الأرض لتشقّقت . أما تعلمون أنّه ليس بين الجنّة والنار منزلة ؟ وأنكم صائرون إلى إحداهما « 2 » . وقال يحيى بن أبي كثير : لمّا حضر عمر بن عبد العزيز الموت بكى ، فقيل له : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ أبشر ، فإنّ اللّه أحيا بك سننا ، وأظهر بك عدلا . فبكى ثم قال : أليس أوقف فأسأل في أمر هذا الخلق ؟ فو اللّه لو رأيت أنّي عدلت فيهم لخفت على نفسي أن لا تقوم بحجّتها بين يدي اللّه عزّ وجل إلّا أن يلقّنها حجّتها ! فكيف بكثير ممّا صنعنا « 3 » ؟ وفاضت عيناه . فلم يلبث بعدها إلّا يسيرا حتى مات . وقال ليث : إنّ عمر بن عبد العزيز لمّا كان في مرضه الذي مات فيه قال : أجلسوني . فأجلسوه ، فقال : أنا الذي أمرتني فقصّرت ، ونهيتني فعصيت - ثلاثا - ولكن لا إله إلّا اللّه . ثم رفع رأسه فأحدّ النّظر ، فقالوا :
هامش
( 1 ) في الكلام محذوف تقديره : « فلا تقرّ عينه ولا يفرح » . ( 2 ) في ( أ ، ب ) : « أحدهما » ، والمثبت من الحلية 5 / 291 - 292 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 196 - 197 . ( 3 ) في تاريخ ابن عساكر 54 / 205 : « فكيف بكبير ممّا ضيّعنا » .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 111 | مجد الدين ابن الأثير