وقيل له : إنّك قد سقيت ، فتدارك نفسك . فقال : لقد علمت السّاعة التي سقيت فيها ، ولو أنّ شفائي في أن أمدّ يدي إلى شحمة أذني ما فعلت ، أو أؤتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت « 1 » .
وقال مجاهد : قال لي عمر بن عبد العزيز : يا مجاهد ، ما يقول الناس فيّ ؟ قلت : يقولون : مسحور . قال : ما أنا بمسحور . ثم دعا غلاما له فقال له : ويحك ! ما حملك على أن سقيتني السّمّ ؟ قال : ألف دينار أعطيتها ، وعلى أن أعتق . قال : هاتها . فجاء بها ، فألقاها في بيت المال ، وقال :
اذهب حيث لا يراك أحد « 2 » .
وقال الأوزاعي : قال عمر بن عبد العزيز : ما يسرّني أن تخفّف عنّي سكرات الموت ، لأنّه آخر ما يؤجر عليه المسلم « 3 » .
وقال اللّيث بن سعد : إنّ مسلمة بن عبد الملك لمّا رأى عمر بن عبد العزيز اشتدّ وجعه ، وظنّ أنّه ميت ، قال : يا أمير المؤمنين ، إنّك قد تركت بنيك عالة لا شيء لهم ، ولا بدّ لهم ممّا لا بدّ منه ، فلو أوصيت بهم إليّ أو إلى ضربائي من قومي ، فكفوك مؤنتهم . فقال : أجلسوني ؛ فأجلسوه ، فقال : أمّا ما ذكرت من فاقة ولدي وحاجتهم ، فو اللّه ما منعتهم حقّا هو لهم ، وما كنت لأعطيهم حقّ غيرهم ؛ وأمّا ما ذكرت من استخلافك ونظرائك عليهم لتكفوني مؤنتهم ، فإنّ خليفتي عليهم
الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
[ الأعراف : 196 ] ادعهم لي . فدعوتهم ، وهم اثنا عشر ، فاغرورقت عيناه وقال : بأبي نفر تركتهم عالة ، وإنّما هم أحد رجلين : إمّا
هامش
( 1 ) الزهد لابن حنبل 294 ، والمعرفة والتاريخ 1 / 605 ، والحلية 5 / 343 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 202 .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 203 ، وتاريخ الإسلام 4 / 174 ، وتاريخ الخلفاء 288 .
( 3 ) الحلية 5 / 316 و 317 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 203 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 283 - 284 .