لم أر رجلا من الناس قطّ كان أشدّ فرقا من ربّه من عمر ؛ كان إذا دخل بيته ألقى نفسه في مسجده ، فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ، ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع « 1 » .
وقال وهيب بن الورد : لمّا توفّي عمر جاء الفقهاء إلى امرأته يعزّونها فقالوا لها : جئناك لنعزّيك بعمر ، فقد عمّت مصيبته الأمّة ؛ فأخبرينا كيف كانت حاله في بيته ؟ فقالت : واللّه ما كان عمر بأكثركم صلاة ولا صياما ، ولكنّي - واللّه - ما رأيت عبدا قطّ كان أشدّ خوفا « 2 » من عمر . واللّه إن كان ليكون « 3 » في المكان الذي إليه ينتهي سرور الرجل بأهله ، بيني وبينه « 4 » لحاف ، فيخطر على قلبه الشيء من أمر اللّه ، فينتفض كما ينتفض الطائر وقع في الماء ، ثم ينشج ، ثم يرتفع بكاؤه حتى أقول : واللّه لتخرجنّ نفسه التي بين جنبيه ، فأطرح اللّحاف عنّي وعنه رحمة له وأنا أقول : يا ليتنا كان بيننا وبين هذه الإمارة بعد المشرقين ، فو اللّه ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها « 5 » .
وقال جسر بن الحسن : رأيت عمر بن عبد العزيز يبكي حتى نفد الدّمع ، ثمّ رأيته يبكي الدّم « 6 » .
وقال أبو خالد « 7 » : لمّا مرض عمر بن عبد العزيز جيء بطبيب إليه ،
هامش
( 1 ) الزهد لابن حنبل 299 ، والمعرفة والتاريخ 1 / 571 ، والحلية 5 / 260 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 191 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 188 .
( 2 ) في ( أ ) : « تخوّفا » والمثبت من ( ب ) وتاريخ ابن عساكر وسيرة عمر لابن الجوزي .
( 3 ) في ( أ ، ب ) : « كان الموت في . . . » ، والمثبت من هامش ( ب ) وتاريخ ابن عساكر وسيرة عمر لابن الجوزي .
( 4 ) في ( أ ) : « بينه وبينه » وهو تصحيف .
( 5 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 191 - 192 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 288 .
( 6 ) تاريخ ابن عساكر 54 / 193 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 186 .
( 7 ) كذا في ( أ ، ب ) ، وفي تاريخ ابن عساكر 54 / 194 ، وسير أعلام النبلاء 5 / 137 :
« أبو حاتم » .