أميّة « 1 » ، فسلّمت عليهم ، فلم يردّوا السلام ، فلمّا ذهبت أقفّي ، ناداني التّراب فقال : ألا تسألني يا عمر ما لقيت الأحبّة ؟ قلت : وما لقيت الأحبّة ؟
قال : خرّقت الأكفان ، وأكلت الأبدان ؛ فلمّا ذهبت أقفّي ناداني ، فقال :
يا عمر ، عليك بأكفان لا تبلى . قلت : وما أكفان لا تبلى ؟ قال : اتّقاء اللّه ، والعمل الصالح « 2 » .
وقال لرجل من جلسائه : لقد أرقت الليلة مفكّرا . قال : فيم يا أمير المؤمنين ؟ قال : في القبر وساكنه ؛ إنّك لو رأيت الميت بعد ثالثة في قبره ، لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته ، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوامّ ، ويجري فيه الصّديد ، وتخترقه الدّيدان ، مع تغيّر الرّيح ، وبلى الأكفان ، بعد حسن الهيئة ، وطيب الرّيح ، ونقاء الثوب . ثم شهق شهقة خرّ مغشيّا عليه « 3 » .
وقال محمد بن كعب القرظيّ : أتيت عمر بن عبد العزيز ، وهو خليفة ، فلمّا دخلت عليه ، أدمت إليه النّظر ، فقال : يا ابن كعب ، إنّك لتنظر إليّ نظرا ما كنت تنظره إليّ بالمدينة ! قال : أجل يا أمير المؤمنين ، أعجبني ما نحل من جسمك ، وتغيّر من لونك ، ورثّ من شعرك . فقال : كيف لو رأيتني بعد ثلاث في القبر ، قد سقطت حدقتاي على وجنتيّ ، وخرج من منخري وفمي الدّود والصّديد ؟ ! كنت لي أشدّ نكرة منك اليوم « 4 » .
وقال المغيرة بن حكيم : قالت لي فاطمة بنت عبد الملك : يا مغيرة ، قد يكون من الرجال من هو أكثر صلاة وصوما من عمر بن عبد العزيز ، ولكن
هامش
( 1 ) في تاريخ ابن عساكر 54 / 190 : « قبور آبائي » بدل « بني أمية » .
( 2 ) الحلية 5 / 263 - 264 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 219 .
( 3 ) الحلية 5 / 268 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 190 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 187 .
( 4 ) الزهد لابن حنبل 295 ، وتاريخ ابن عساكر 54 / 190 - 191 ، وسيرة عمر لابن الجوزي 10 و 24 .