يشربها . فرجع وقد شربها . فلما كان من الغد ، جعلت له نحوها ، ثم سرّحت بها مع ابني ، فرجع بها لم يشربها . فأتيته فلمته وقلت له : سبحان اللّه ! رددت عليّ كرامتي ، إنّ هذا ممّا يعينك ويقوّيك على الصلاة وعلى ذكر اللّه تعالى . فلمّا رآني قد وجدت « 1 » من ذلك قال : يا أبا بشر ، لا يسوؤك اللّه ، قد شربتها أوّل ما بعثت بها ، فلما كان من الغد ، زاولت « 2 » نفسي أن أسيغها ، فما قدرت على ذلك ، إذا أردت أن أشربه ذكرت هذه الآية :
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ
[ إبراهيم : 17 ] فبكى صالح عند هذا . قال : فقلت في نفسي : ألا إنّي في واد وأنت في آخر « 3 » .
زاد في رواية أخرى : فقلت له : يا شيخ ، قد خدعك إبليس ! فقال لي :
ويحك يا صالح ! إنّي واللّه إذا ذكرت جهنّم ، ما يسيغني طعام ولا شراب .
قلت : أنت واللّه في واد وأنا في واد ، واللّه لا عاتبتك في هذا أبدا « 4 » .
وقال أبو يزيد الهدادي : انصرفت ذات يوم من الجمعة ، فإذا عطاء السّليميّ وعمر بن درهم يمشيان ، وكان عطاء قد بكى حتى عمش ، وكان عمر قد صلّى حتى دبر « 5 » . فقال عمر لعطاء : حتى متى نسهو ونلعب ، وملك الموت في طلبنا لا يكفّ ؟ فصاح عطاء صيحة ، خرّ مغشيّا عليه ، فانشجّ موضحة « 6 » ، واجتمع الناس ، وقعد عمر عند رأسه ، فلم يزل على
هامش
( 1 ) وجد يجد : غضب . اللسان : ( وجد ) .
( 2 ) في ( ب ) : « راودت » والمثبت من « أ » والحلية . والمزاولة : المحاولة والمعالجة .
اللسان : ( زول ) .
( 3 ) الحلية 6 / 218 - 219 ، وصفة الصفوة : 3 / 326 .
( 4 ) الحلية 6 / 219 .
( 5 ) دبر البعير : ظهرت به قرحة . والمدبور : المجروح . اللسان : ( دبر ) .
( 6 ) الواضحة والموضحة من الشّجاج : التي بلغت العظم فأوضحت عنه . وقيل : هي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم ، أو تشقّها حتى يبدو وضح العظم ، أي بياضه . اللسان ( وضح ) .