كالكرّاث من البقل ، يا جافي ، إنّ اللّه تعالى آلى على نفسه أن لا يودع حكمته لعجميّ القلب ، لم أجبك بشعر عجزا عن البيان ، ولكن أحببت أن أعلمك أنّ في أقلّ الأشياء أدلّ الدلائل عليه ، تخليتهم مع المكر به مكر منه بهم ؛ إذ لو شاء منع .
وقال أبو أحمد المغازلي : كان ببغداد رجل فرّق على الفقراء أربعين ألف درهم . فقال لي سمنون : يا أبا أحمد ، أما ترى ما قد أنفق هذا ونحن ما نرجع إلى شيء ننفقه ؟ فامض بنا إلى موضع نصلّي فيه بكلّ درهم أنفقه ركعة . فذهبنا إلى المدائن فصلّينا أربعين ألف ركعة ، وزرنا قبر سلمان وانصرفنا « 1 » .
وقال إبراهيم بن فاتك : سمعت سمنون وهو جالس في المسجد يتكلّم في المحبّة ، إذ جاء طير صغير ، فقرب منه ثم قرب ، فلم يزل يدنو حتى جلس على يده ، ثم ضرب بمنقاره الأرض حتى سال منه الدّم ، ثم مات « 2 » .
وقال أبو الحسن بن زرعان : كنت عند سمنون ، فشهق شهقة ثم قال :
لو صاح إنسان لشدة وجده بحبّه لملأ ما بين الخافقين صياحا « 3 » .
وقال : دخلت على سمنون فرأيته يبكي ، فجلست ساعة ، وحضرت صلاة الظّهر فقلت : قد أذّن ، فقام وركع ، ثم عاد لبكائه ، فقال لي : يا أبا محمد ، وقع لي خاطر من اللّه تعالى يقول لي : كيف أنت ؟ فقال : يستخبر عنّي سيّدي وهو بي أخبر منّي ! إن كنت أدري كيف كنت ، فلا كنت حيث كنت . فتركته وانصرفت .
وقال : إذا بسط الجليل سبحانه غدا بساط المجد ، دخل ذنوب الأوّلين
هامش
( 1 ) حلية الأولياء 10 / 311 ، والرسالة القشيرية 1 / 134 .
( 2 ) روض الرياحين الحكاية 271 ، والكواكب الدرية 1 / 237 .
( 3 ) طبقات الصوفية 195 .