فأخذه الأسر من ساعته ، فكان يدور على المكاتب ويقول للصبيان :
ادعوا لعمّكم الكذّاب « 1 » .
وقيل : بل أنشد هذا البيت ، فقال بعض أصحابه لبعض : سمعت البارحة وكنت بالرّستاق صوت أستاذنا سمنون يدعو اللّه تعالى ويتضرّع إليه ، ويسأله الشّفاء . فقال آخر : أنا أيضا كنت سمعت هذا البارحة ، وكنت بالموضع الفلاني . فقال ثالث ورابع مثل هذا ؛ فأخبر سمنون بذلك ، وقد امتحن بعلّة الأسر ، فكان يصبر ولا يجزع ، فلما سمعهم ولم يكن قد دعا ولا نطق بشيء من ذلك ، علم أنّ المقصود منه إظهار الجزع تأدّبا بالعبودية ، وسترا لحاله ، فأخذ يطوف على المكاتب ويقول : ادعوا لعمّكم الكذّاب « 2 » .
وروي أنّه كان جالسا على شاطئ دجلة ، وبيده قضيب يضرب فخذه حتى بان عظم فخذه وساقه وتبدّد لحمه وهو يقول :
كان لي قلب أعيش به * ضاع منّي في تقلّبه
ربّ فاردده عليّ فقد * ضاق صدري في تطلّبه
وأغث ما دام بي رمق * يا غياث المستغيث به « 3 »
وسئل عن قوله تعالى :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
[ النمل : 20 ] هل يجوز أن ينسب المكر إلى الحقّ تعالى ؟ فأنشأ يقول :
ويقبح من سواك الفعل عندي * وتفعله فيحسن منك ذاكا « 4 »
فقال له السائل : أسألك عن تفسير آية فتجيبني ببيت من الشعر ؟ فقال :
من أيّ البلاد أنت ؟ قال : من الجبل . فقال : أنت من الذين هم في الناس
هامش
( 1 ) الرسالة القشيرية 1 / 133 ، وطبقات الأولياء 167 .
( 2 ) الرسالة القشيرية 1 / 133 - 134 .
( 3 ) طبقات الصوفية : 197 ، وطبقات الشعراني : 1 / 89 .
( 4 ) طبقات الأولياء 169 .