تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
سليمان الذي لم تهمّ « 1 » . وقال أبو حازم : خرج سليمان بن يسار حاجّا من المدينة ومعه رفيق حتى نزلوا بالأبواء « 2 » ، فقام رفيقه فأخذ السّفرة « 3 » وانطلق إلى السوق يبتاع لهم ، وقعد سليمان في الخيمة ، وكان من أجمل الناس وجها ، وأورع الناس ، فبصرت به أعرابية من قلّة الجبل « 4 » ، وهي في خيمتها ، فلمّا رأت حسنه وجماله انحدرت وعليها البرقع والقفّازان ، فجاءت فوقفت بين يديه ، فأسفرت عن وجه لها كأنّه فلقة قمر ، فقالت : أهيئني ، فظنّ أنّها تريد طعاما ، فقام إلى فضل السّفرة ليعطيها فقالت : لست أريد هذا ، إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله . فقال : جهّزك إليّ إبليس ؟ ! ثم وضع رأسه بين كمّيه وأخذ في النّحيب ، فلم يزل يبكي . فلما رأت ذلك سدلت البرقع على وجهها ، ورجعت إلى خيمتها . فجاء رفيقه وقد ابتاع لهم ما يرفقهم « 5 » ، فلمّا رآه قد انتفخت عيناه من البكاء ، وانقطع حلقه قال : ما يبكيك ؟ قال : خير ، ذكرت صبيتي . قال : لا ، إلّا أنّ لك قصّة ، إنّما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها . فلم يزل به رفيقه حتى أخبره بشأن الأعرابية ، فوضع السّفرة وجعل يبكي بكاء شديدا ، فقال له سليمان : أنت ما يبكيك ؟ قال : أنا أحقّ بالبكاء منك . قال : ولم ؟ قال : لأنّي أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها . قال : فما زالا يبكيان . فلما انتهى سليمان إلى مكّة وطاف وسعى أتى الحجر واحتبى بثوبه فنعس ، فإذا رجل وسيم جميل طوال ، له شارة حسنة ورائحة طيّبة ، فقال له سليمان : من أنت رحمك اللّه ؟ قال : أنا يوسف بن يعقوب . قال : يوسف
هامش
( 1 ) الحلية 2 / 190 - 191 . ( 2 ) الأبواء : قرية من أعمال المدينة المنوّرة ، معجم البلدان : ( الأبواء ) . ( 3 ) السفرة : وعاء من جلد ، يوضع فيه طعام المسافر . اللسان ( سفر ) . ( 4 ) قلّة الجبل : أعلاه . القاموس ( قلل ) . ( 5 ) ما يرفقهم : ما ينفعهم .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 43 | مجد الدين ابن الأثير