مؤجّلون « 1 » خلائف بعد القرون التي استقبلوا من الدنيا أنفها « 2 » وزهرتها ، فهم كانوا أطول منكم أعمارا ، وأمدّ أجساما ، وأعظم آثارا ، فخدّدوا الجبال « 3 » ، وجابوا الصّخور « 4 » ، ونقّبوا في البلاد ، مؤيّدين ببطش شديد ، وأجساد كالعماد ؛ فما لبثت الأيّام والليالي أن طوت مدّتهم ، وعفّت آثارهم ، وأخوت منازلهم ، وأنست ذكرهم ، فما تحسّ منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزا « 5 » . كانوا بلهو الأمل آمنين ، ولبيات قوم « 6 » غافلين ، ولصباح قوم « 6 » نادمين ؛ ثم إنّكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتا « 7 » من عقوبة اللّه عزّ وجلّ فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين ، وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمة ، وزوال نعمة ، ومساكن خاوية فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم ، وعبرة لمن يخشى ، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص ، ودنيا مقبوضة ، في زمان قد ولّى عفوه ، وذهب رخاؤه ، فلم يبق منه إلّا حمّة شرّ « 8 » ، وصبابة « 9 » كدر ، وأهاويل غير ، وعقوبات عبر ، وأرسال فتن ، وتتابع زلازل ، ورذالة خلف ، بهم ظهر الفساد في البرّ والبحر . فلا تكونوا أشباها لمن خدعه الأمل ، وغرّه طول الأجل ، وتبلّغ بالأماني . نسأل اللّه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن وعى وانتهى ، وعقل مثواه ، فمهّد لنفسه « 10 » .
هامش
( 1 ) في تاريخ ابن عساكر 41 / 199 : « مرحّلون » وفي السير 7 / 117 : « مرتحلون » .
( 2 ) في ( أ ، ب ) : « آنفا » والمثبت من ابن عساكر 41 / 199 .
( 3 ) الأخدود : الشّقّ في الأرض ، وجمعه الأخاديد . النهاية ( خدد ) .
( 4 ) جاب الصخرة : نقبها . وجاب : قطع وخرق . اللسان ( جوب ) .
( 5 ) الرّكز : الصوت الخفي . النهاية : ( ركز ) .
( 6 ) في ( أ ، ب ) : « يوم » والمثبت من تاريخ ابن عساكر ، وصفة الصفوة والسير .
( 7 ) بياتا : ليلا .
( 8 ) حمّة كلّ شيء : معظمه . والحمّة : السّمّ . اللسان : ( حمم ) .
( 9 ) الصّبابة : البقية اليسيرة تبقى في الإناء من الشراب . اللسان ( صبب ) .
( 10 ) تاريخ ابن عساكر 41 / 198 - 199 ، وصفة الصفوة 4 / 256 - 257 ، وانظر السير :
7 / 117 - 118 .