وجعل من حوله يعضّون لي أيديهم ، ثم رفع رأسه فقال : يا أوزاعي ، ما تقول في دماء بني أميّة ؟ قلت : جاءت الآثار عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم أنّه قال :
« لا يحلّ دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث : الزّاني بعد إحصان ؛ والمرتدّ عن الإسلام ؛ والنفس بالنّفس » « 1 » . فنكت بالخيزرانة نكتا هو أشدّ من ذلك ، وأطرق ، ثم رفع رأسه فقال : يا أوزاعيّ ، ما تقول في أموال بني أميّة ؟
فقلت : إن كانت لهم حراما ، فهي عليك حرام ، وإن كانت لهم حلالا ، فما أحلّها اللّه لك إلّا بحقّها . فنكت بالخيزرانة نكتا هو أشدّ من ذلك ، وأطرق مليّا ، ثم رفع رأسه فقال : يا أوزاعيّ ، هممت أن أولّيك القضاء . فقلت :
أصلح اللّه الأمير ، قد كان انقطاعي إلى سلفك ، ومن مضى من أهل بيتك ، وكانوا بحقّي عارفين ، فإن رأى الأمير أن يستتمّ ما ابتدأه آباؤه فليفعل .
قال : كأنّك تريد الإذن ؟ قلت : إنّ ورائي لحرما بهم حاجة إلى قيامي بهم وستري لهم . قال : فذاك لك . وخرجت فركبت دابّتي وانصرفت .
قال : فلم أعلم حين وصلت إلى بيروت إلّا وعثمان على البريد ، فقلت : بدا للرّجل فيّ ؛ فقال : إنّ الأمير غفل عن جائزتك ، وقد بعث لك بمائتي دينار ، فلم يبرح الأوزاعيّ مكانه حتى فرّقها في الأيتام والأرامل
هامش
. ( 1907 ) في الإمارة ، باب قوله صلّى الله عليه وسلم : « إنما الأعمال بالنيّة » وأبو داود برقم 2201 في الطلاق ، باب فيما عنى به الطلاق والنيات ، والترمذي برقم ( 1647 ) في فضائل الجهاد باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا ، والنسائي 1 / 58 - 60 في الطهارة باب النيّة في الوضوء وأوّله : « إنّما الأعمال بالنيّة » .
( 1 ) رواه البخاري برقم ( 6878 ) في الديات باب قول اللّه تعالى :أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ . .، ومسلم برقم ( 1676 ) في القسامة باب ما يباح به دم المسلم ، وأبو داود برقم 4352 في الحدود باب الحكم فيمن ارتدّ ، والترمذي برقم ( 1402 ) في الديات باب ما جاء لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ، والنسائي 7 / 90 - 91 في تحريم الدم باب ذكر ما يحلّ به دم المسلم . ونصّه فيها جميعا : « لا يحلّ دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّي رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث : الثيّب الزاني ، والنفس بالنفس ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » .