سليمان ، قم إلى الحائط ، فخذ ما فيه ، وادع به . فقمت ، فإذا بقرطاس ما رأيت على نقائه وبياضه ، فيه خطّ ما رأيت مثله حسنا ، تفوح منه رائحة المسك ، وإذا فيه مكتوب : يا مدرك الفوت بعد الفوت ، ويا من يسمع في ظلم الليل الصوت ، ويا من يحيي العظام وهي رميم بعد الموت . فدعوت بها وأنا ساجد ، فإذا أمّي تقول : يا أبا سليمان ، ما فعلت ؟ زالت الفكّة « 1 » ! قلت لها : قد قمت ؟ قالت : نعم « 2 » .
وقال : أفضل الأعمال خلاف هوى النّفس ، ولكلّ شيء علم ، وعلم الخذلان ترك البكاء ، ولكلّ شيء صدأ ، وصدأ نور القلب شبع البطن ، وكلّ ما شغلك عن اللّه من أهل ومال أو ولد فهو عليك مشئوم « 3 » .
وقال : أصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من اللّه ، ومفتاح الدنيا الشّبع ، ومفتاح الآخرة الجوع « 4 » .
وقال في قوله عزّ وجلّ :
أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
[ الحجرات : 3 ] أزال عنهم الشهوات « 5 » .
وقال أحمد : قال لي أبو سليمان : يا أحمد ، ما أنجب من أنجب إلّا بالقبول من مشايخهم ، كم أقول لك لا تفتح أصابعك في القصعة ؟ وأنت لا تقبل منّي ؛ يا أحمد ، عهدت قوما من القرّاء ، وشهدت طوائف من الصوفية يعدّون الجوع فيهم غنيمة ، كما تعدّ أنت وأصحابك الشّبع غنيمة . لأن أترك لقمة من عشائي ، أحبّ إليّ من أن آكلها ، فأقوم من أوّل الليل إلى آخره « 6 » .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : « ما فعلت القلة » .
( 2 ) تاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 414 / أ .
( 3 ) الحلية 9 / 264 ، وتاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 412 / ب .
( 4 ) تاريخ بغداد 10 / 250 ، وتاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 412 / ب .
( 5 ) تاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 413 / أ .
( 6 ) مناقب الأبرار الورقة 66 / ب ، وتاريخ ابن عساكر 9 / الورقة 413 / أ .