يردّ عليّ جواري . قال : صدق ، ولقد وجدته وفيّا ، كريم الجوار ، ولكنّي قد أحببت أن لا أستجير بغير اللّه ، فقد رددت عليه جواره . ثم انصرف عثمان ، ولبيد بن ربيعة الشاعر في مجلس من مجالس قريش ينشدهم :
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل
فقال عثمان : صدقت . فقال :
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنّة لا يزول . قال لبيد : يا معشر قريش ، واللّه ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث فيكم هذا ؟ فقال رجل من القوم :
إنّ هذا سفيه من سفهاء معه قد فارقوا ديننا ، فلا تجدنّ « 1 » في نفسك من قوله . فردّ عثمان عليه حتى شري « 2 » أمرهما . فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضّرها « 3 » ، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان فقال : أما واللّه يا ابن أخي ، إن كانت عينك عمّا أصابها لغنيّة ، لقد كنت في ذمّة منيعة . فقال عثمان : بلى واللّه إنّ عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في اللّه عزّ وجلّ ، وإنّي لفي جوار من هو أعزّ منك ، وأقدر يا أبا عبد شمس « 4 » .
وقالت عائشة : دخلت عليّ امرأة عثمان بن مظعون وهي بذّة « 5 » الهيئة ، فسألتها : ما شأنك ؟ فقالت : زوجي يقوم الليل ويصوم النهار . فدخل النبيّ صلّى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فلقي رسول اللّه عثمان فقال : « يا عثمان ، إنّ الرّهبانيّة
هامش
( 1 ) الوجد : الغضب .
( 2 ) شري : عظم وتفاقم . النهاية 2 / 468 - 469 ( شري ) .
( 3 ) خضّرها : جعلها خضراء مائلة إلى السواد . والعرب تطلق الخضرة على السواد .
انظر النهاية ( خضر ) .
( 4 ) الحلية 1 / 104 ، وأسد الغابة 3 / 385 - 386 .
( 5 ) بذّة : رثّة .