أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت ، ويبلغوا فيه مثل الذي بلغت ، فوقعوا بك في بحر لا يدرك قعره ، وفي بلاء لا يقدر قدره ، فاللّه لنا ولك ولهم المستعان .
واعلم أنّ الجاه جاهان : جاه يجريه اللّه تعالى على يدي أوليائه ، الخامل ذكرهم ، الخافية شخوصهم . ولقد جاء نعتهم على لسان رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه يحبّ الأتقياء الأخفياء الأبرياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا شهدوا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كلّ فتنة سوداء مظلمة » « 1 » .
فهؤلاء أولياء اللّه الذين قال اللّه تعالى فيهم :
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ المجادلة : 22 ] » .
وجاه يجريه اللّه على يدي أعدائه لأوليائهم ، ومقة « 2 » يقذفها اللّه في قلوبهم لهم ، فيعظّمهم الناس تعظيم أولئك لهم ، ويرغب الناس فيما في أيديهم لرغبة أولئك فيه إليهم
أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ
[ المجادلة : 19 ] .
ما أخوفني أن تكون كمن عاش مستورا عليه في دينه ، مقتورا عليه في رزقه ، معزولة عنه البلايا ، مصروفة عنه الفتن في عنفوان شبابه ، وظهور جلده ، وكمال شهوته ، حتّى إذا كبرت سنّه ، ورقّ عظمه ، وضعفت قوّته ، وانقطعت شهوته ولذّته ، فتحت عليه الدنيا شرّ فتوح ، فلزمته تبعتها ، وعلقته فتنتها ، وأغشت عينه زهرتها ، وصفت لغيره منفعتها ، فسبحان اللّه ! ما أبين « 3 »
هامش
( 1 ) رواه ابن ماجة ( 3989 ) في الفتن ، باب من ترجى له السلامة من الفتن ، والحاكم في المستدرك 1 / 4 و 4 / 328 ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب 1 / 34 ، وفيها جميعا قوله صلّى الله عليه وسلم في آخر الحديث : « يخرجون من كلّ غبراء مظلمة » .
( 2 ) المقة : المحبّة . متن اللغة : ( ومق ) .
( 3 ) في الأصل : « ما بين » والمثبت من الحلية 3 / 249 ، ومختصر تاريخ دمشق