لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
[ آل عمران : 187 ] . إنّك تقول : إنّك جدل ماهر عالم ، قد جادلت الناس فجدلتهم ، وخاصمتهم فخصمتهم ، إدلالا منك بفهمك ، واقتدارا منك برأيك ، فأين تذهب عن قول اللّه عزّ وجلّ :
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
[ النساء : 109 ] ؟ اعلم أنّ أدنى ما ارتكبت ، وأعظم ما احتقبت « 1 » أن آنست الظالم ، وسهّلت له طريق الغيّ بدنوّك حين أدنيت ، وإجابتك حين دعيت ، فما أخلقك أن ينوّه باسمك غدا مع الجرمة ! وأن تسأل عمّا أردت بإغضائك عن ظلم الظّلمة . إنّك أخذت ما ليس لمن أعطاك ، ودنوت ممّن لم يردّ على أحد حقّا [ ولا ترك باطلا ] « 2 » حين أدناك ، وأجبت من أراد التّدليس بدعائه إيّاك حين دعاك . جعلوك قطبا تدور عليه « 3 » رحى باطلهم ، وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم ، وسلّما إلى ضلالتهم ، وداعيا إلى غيّهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشكّ على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهّال إليهم ، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم ، ولا أقوى أعوانهم لهم إلّا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم ، واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم . فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خرّبوا عليك ، وما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك ، وحاسبها حساب رجل مسؤول ، وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيرا وكبيرا ؟ وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس بخيلا ؟ [ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته ستّيرا ] « 4 » ؟ وكيف قربك وبعدك ممّن أمرك أن تكون منه قريبا ؟
هامش
( 1 ) احتقب الشيء : احتمله .
( 2 ) ما بين الحاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 3 / 247 .
( 3 ) في الأصل : « عليهم » والمثبت من صفة الصفوة 2 / 161 .
( 4 ) ما بين الحاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 3 / 247 ، ومختصر تاريخ دمشق 10 / 79 .