مالك لا تنتبه من نعستك ؟ وتستقيل من عثرتك ؟ فتقول : واللّه ما قمت للّه مقاما واحدا أحيي له فيه دينا ، ولا أميت له فيه باطلا . أين « 1 » شكرك لمن استحملك كتابه ، واستودعك علمه ؟ ما يؤمنك أن تكون من الذين قال اللّه عزّ وجلّ
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
[ الأعراف : 169 ] الآية ؟ إنّك لست في دار مقام ، قد أوذنت بالرّحيل . ما بقاء المرء بعد أقرانه ؟ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل .
يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه « 2 » من بعده . إنّك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك . [ ليس أحد أهلا أن تردفه على ظهرك ] « 3 » ، ذهبت اللذّة ، وبقيت التّبعة . ما أشقى من سعد بكسبه غيره ! إنّك تعامل من لا يجهل ، [ والذي ] يحفظ عليك لا يغفل . تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو دينك ، فقد دخله سقم شديد ، ولا تحسبنّ أنّي أردت توبيخك أو تعييرك أو تعنيفك ، ولكنّي أردت أن تنعش ما فات من رأيك ، وتردّ عليك ما عزب عنك من حلمك ، وذكرت قوله تعالى :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الذاريات : 55 ] . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك ، وبقيت بعدهم كقرن أعضب « 4 » ؛ فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به ؟ أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه ؟ وهل تراه ادّخر لك خيرا متعوه ؟ أو علّمك شيئا جهلوه ؟
بل جهلت ما ابتليت به في حالك في صدور العامة ، وكلفهم بك أن صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حرّمت حرّموا .
أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة ، وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟
ابتليتهم بالشّغل عن مكاسبهم ، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك ، فتاقت
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، وفي حلية الأولياء 3 / 247 ومختصر تاريخ دمشق 10 / 79 : « إنما » .
( 2 ) في الأصل : « ديونه » والمثبت من الحلية 3 / 247 ، ومختصر تاريخ دمشق 10 / 79 .
( 3 ) ما بين الحاصرتين مستدرك من حلية الأولياء 3 / 247 ومختصر تاريخ دمشق 10 / 79
( 4 ) عضب القرن : انكسر . متن اللغة : ( عضب ) .