فلم يجلس ، فقال لهم : انتسبوا لي أعرفكم ، فانتسبوا له ، أو من انتسب منهم فقال : أو ما علمتم أنّ للّه عبادا أصمتتهم خشيته من غير بكم ولا عيّ ، وإنهم لهم العلماء والفصحاء والنّبلاء ، والعلماء بأيام اللّه ؟ غير أنّهم إذا تذاكروا عظمة اللّه طاشت لذلك عقولهم ، وانكسرت قلوبهم ، وانقطعت ألسنتهم ، حتّى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى اللّه عزّ وجلّ بالأعمال الزّاكية . يعدّون أنفسهم مع المفرطين ، وإنّهم لأكياس أقوياء ، ومع الظّالمين والخاطئين ، وإنّهم لأنزاه برءاء ، إلّا أنّهم لا يستكثرون له الكثير ، ولا يرضون له بالقليل ، ولا يدلّون عليه بالأعمال . هم حيثما لقيتهم مهتمّون مشفقون وجلون خائفون . ثم انصرف عنهم فرجع إلى مجلسه « 1 » .
وقال أبو غالب : سمعت ابن عبّاس يقول : عليك بالفرائض ، وما وظّف اللّه عليك من حقّه فأدّه ، واستعن اللّه تعالى على ذلك ، فإنّه لا يعلم من عبد صدق نيّة ، وحرصا فيما عنده إلّا أخّره اللّه عمّا يكره ، وهو الملك يصنع ما يشاء « 2 » .
وقال أحمد بن حنبل بإسناده : إنّ ابن عبّاس أخذ بثمرة لسانه « 3 » وهو يقول : ويحك ! قل خيرا تغنم ، واسكت عن شرّ تسلم « 4 » .
وقال ميمون بن مهران : سمعت ابن عبّاس يقول : ما بلغني عن أخ لي مكروه قطّ إلّا أنزلته أحد ثلاث منازل : إن كان فوقي عرفت له قدره ؛ وإن كان نظيري تفضّلت عليه ؛ وإن كان دوني لم أحفل به . هذه سيرتي في نفسي ، فمن رغب عنها فأرض اللّه واسعة « 5 » .
هامش
( 1 ) الحلية 1 / 325 .
( 2 ) الحلية 1 / 326 .
( 3 ) ثمرة لسانه : طرفه .
( 4 ) الزهد لابن حنبل 189 ، والحلية 1 / 328 .
( 5 ) صفة الصفوة 1 / 754 ، ومختصر ابن منظور 12 / 327 .