وقال : خرجت من عسقلان أريد غزّة في طلب البدلاء ، فإذا أنا بفتى عليه أطمار رثّة ، مارّا « 1 » على ساحل البحر . قال : فكأنّي لم أعبأ به ، فالتفت إليّ فقال :
لا تنأ عنّي بأن ترى خلقي * فإنّما الدّرّ داخل الصّدف
علمي جديد وملبسي خلق * ومنتهى اللّين منتهى الصّلف
وقال أبو القاسم الدّمشقي : سئل طاهر المقدسي : لم سمّيت الصوفيّة بهذا الاسم ؟ فقال : لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد ، وانكشافها بشمائل القصد « 2 » .
وقال سعيد بن عثمان : سمعت ذا النون المصري وسئل : أيّ الحجاب أخفى ؟ الذي يحتجب به المريد عن اللّه تعالى ؟ فقال : ويحك ! ملاحظة النفس وتدبيرها .
قال : وقال بعضهم : علم القوم بأنّ اللّه يراهم على كلّ حال ، فاجتزءوا به عمّن سواه . فقال له طاهر : يا أبا الفيض ، رحمك اللّه ، بل نظروا بعين اليقين إلى محبوب القلوب ، فرأوه في كلّ حالة موجودا ، ومن كلّ لمحة ولحظة قريبا ، وبكلّ رطب ويابس عليما ، وعلى كلّ ظاهر وباطن شهيدا ، وعلى كلّ مكروه ومحبوب قائما ، وعلى تقريب البعيد وتبعيد القريب مقتدرا ، ولهم في كلّ الأحوال والأعمال سائسا ، ولما يريدهم به موفّقا ، فاستغنوا بسياسته وتدبيره عن تدبير أنفسهم ، وخرقوا الظلمات بنور مشاهدته ، وتجرّعوا المرارات بحلاوة وجوده ، وكابدوا الشدائد ، واحتملوا الأذى في جنب قربه ، وخاطروا بالنّفوس فيما يعلمون ويحملون ثقة منهم باختياره ، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال محبّة منهم لإرادته ، وموافقة
هامش
( 1 ) ليست اللفظة في ( أ ) ، وانظر الحلية 10 / 319 .
( 2 ) طبقات الصوفية 275 ، والحلية 10 / 317 .