تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
بعضهم ويقول : هو أبو جعفر . حتى خلا بي واحد فقال لي : أنت أبو جعفر الحدّاد ؟ قلت : نعم . فمضى وحشر عليّ الصوفية ، فجلسوا حولي فقال بعضهم : يا أبا جعفر ! التوكّل ما هو ؟ فقلت : أيّما أحبّ إليك ، أصفه لك علما ، أو تراه حقيقة ؟ فقال : بل أراه حقيقة . فقلت له : حلق الرؤوس واللّحى « 1 » . وقال : كنت أحبّ أن أدري كيف تجري أسباب الرزق على الخلق ، فدخلت البادية بعض السنين على التوكّل . فبقيت سبعة عشر يوما لم آكل فيها شيئا فضعفت عن المشي ، فبقيت أياما أخر لم أذق فيها شيئا ، حتى سقطت على وجهي ، وغشي عليّ ، وغلب عليّ القمل شيء ما رأيت مثله ولا سمعت به ؛ فبينا أنا كذلك إذ مرّ بي ركب فرأوني على تلك الحال ، فنزل أحدهم عن راحلته ، فحلق رأسي ، وشقّ عليّ ثوبي ، وتركني في الرّمضاء وساروا ، فمرّ بي ركب آخر ، فحملوني إلى حيّهم وأنا مغلوب ، فطرحوني ناحية ، فجاءتني امرأة وجلست « 2 » على رأسي ، وصبّت اللبن في حلقي ، ففتحت عينيّ قليلا وقلت لهم : أقرب المواضع منكم أين ؟ قالوا : جبل الشّراة . فحملوني إلى الشّراة « 3 » . قال أبو جعفر : وكنت حين سقطت قد قبضت على حصاة ، وجهدوا في البادية أن يفتحوا يدي فلم يطيقوا ، وإذا هي حصاة كلّما هممت رميها لم أجد إلى رميها سبيلا ، فدخلت بيت المقدس ، واجتمع حولي الصوفيّة ، والحصاة في يدي أقلّبها ، فأخذها مني بعض الفقراء ، وضرب بها الأرض ، فتفتّتت وخرجت منها دودة صغيرة ، ثم ضرب يده إلى ورقة فأخذها
هامش
( 1 ) تاريخ ابن عساكر 19 / 19 والمختصر 28 / 217 . ( 2 ) في تاريخ بغداد : « وحلبت » . ( 3 ) الشّراة جبل من دون عسفان ، وبه عقبة تذهب إلى ناحية الحجاز . والشراة أيضا : صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . انظر معجم البلدان 3 / 331 ، 332 .