وقال أحمد بن النعمان : قال أبو جعفر الحداد : كنت جالسا على بركة بالبادية ، فيها ماء ، وقد مرّ [ عليّ ] ستة عشر يوما لم آكل ولم أشرب ، فانتهى إليّ أبو تراب فقال لي : ما جلوسك ههنا ؟ قلت : أنا بين المعرفة والعلم ، أنتظر ما يغلب عليّ فأكون معه . فقال أبو تراب : سيكون لك شأن « 1 » .
وقال جعفر الخلدي « 2 » : قلت لأبي جعفر الحداد : الناس يقولون إنك أقمت بالبادية سبعين يوما ما أكلت فيها شيئا ولا شربت ، فحدّثني . فقال لي : أنا معتقد التوكّل ، وأرى رزقي يجري على أيدي الناس ، وكنت أريد أن يجيء به الجنّ أو الوحش ، أو يخرج من الأرض ، أو ينزل من السماء ، فاعتقدت أني أدخل البادية فإذا رأيت سوادا عدلت عنه ؛ فأقمت أربعين يوما فلا أكلت ولا شربت حتى ضعفت ، فجئت إلى مصنع « 3 » ، فأخذت ماء وغسلت وجهي ورجلي ، واسترحت ، ثم لمحت نصف دبّة « 4 » ، كان فيها قطران ، قد مرّ عليه الحرّ والسيول ، وقد استرمّت « 5 » ، فقمت فأخذتها ، وتركتها بين حجرين ، ودقتتها حتى صارت مثل السّويق ، فسففتها وشربت الماء خلفها ، فرجعت إليّ نفسي وقمت ، فعرض لي سواد ، فلمّا أشرفت عليهم ذبحوا وخبزوا ، فأكلت واسترحت . ولم أزل أعدل إلى البوادي حتى أتيت مكة ، وأقبل شعر رأسي ولحيتي يتناثر حتى دخلت مكة أقرع بغير لحية ، وجلست في موضع ، فأقبل الصوفيّة يجيئون ويذهبون ، وينكرني
هامش
( 1 ) الحلية 10 / 340 .
( 2 ) في تاريخ ابن عساكر والمختصر : « قال محمد بن الهيثم » .
( 3 ) المصنع والمصنعة : حوض يجمع فيه ماء المطر . القاموس ( صنع ) .
( 4 ) الدّبّة : ظرف للبزر والزيت . القاموس ( دبب ) .
( 5 ) في مختصر تاريخ ابن عساكر : « استربّت » بالباء الموحدة . ومعنى استرمّت : دعت إلى إصلاحها ، يقال : رمّ الشيء يرمّه رمّا : أصلحه ، واسترمّ : دعا إلى إصلاحه ؛ ومنه استرمّ الحائط ، أي حان له أن يرمّ إذا بعد عهده بالتطيين .