وقال جعفر الخلدي : دفع الجنيد إليّ درهما وقال : اشتر به التين الوزيري . فاشتريته ؛ فلما أفطر أخذ واحدة ووضعها في فمه ؛ ثم ألقاها وبكى وقال لي : احمله . فقلت له في ذلك ، فقال : هتف بي هاتف في قلبي : أما تستحي تركت هذا من أجلي ثم تعود إليه وأنشد :
نون الهوان من الهوى مسروقة * وصريع كلّ هوى صريع هوان « 1 »
وقال : جاءني بعض الصالحين يوم جمعة فقال لي : ابعث معي فقيرا يدخل عليّ سرورا ويأكل معي شيئا . فالتفتّ فإذا أنا بفقير شهدت فيه الفاقة ، فدعوته وقلت له : امض مع هذا الشيخ وأدخل عليه سرورا .
فمضى ، فلم ألبث أن جاء الرجل وقال : يا أبا القاسم ! لم يأكل ذلك الفقير إلا لقمة ، وخرج . فقلت له : لعلّك قلت كلمة حقت عليه . فقال : لم أقل شيئا . فالتفتّ فإذا أنا بالفقير جالس فقلت له : لم لم تتمّ عليه السرور ؟
فقال : يا سيدي ! خرجت من الكوفة وقدمت بغداد ولم آكل شيئا ، وكرهت أن يبدو سوء أدب مني من جهة الفاقة في حضرتك ، فلما دعوتني سررت إذ جرى ذلك ابتداء منك ، فمضيت وأنا لا أرضى له الجنان ، فلما جلست على مائدته سوّى لقمة وقال : كل ، فهذا أحبّ إليّ من عشرة آلاف درهم . فلما سمعت هذا منه علمت أنه دنيء الهمّة فتطرّقت « 2 » أن آكل طعامه . فقال الجنيد : ألم أقل لك إنّك أسأت الأدب معه ؟ فقال : يا أبا القاسم ! التوبة .
فسأله أن يمضي معه ويفرحه .
وقال الخلدي : سمعت الجنيد يقول : رأيت إبليس في النّوم فقلت :
هامش
( 1 ) المنتقى 67 أ ، وذكره ابن الملقن في طبقاته ص 129 ، 130 ؛ ويروى صدر هذا البيت هكذا : « إنّ الهوى لهو الهوان بعينه » .
( 2 ) في ( أ ) : « فتطوفت » ، والمثبت من ( ل ) ، وجاء في اللسان ( طرق ) : وطرّق الإبل تطريقا : حبسها عن كلأ وغيره ، ولا يقال في غير ذلك إلا أن يستعار .