والثالث ، ولكني أردت أن أمتحنك هل يتغيّر قلبك « 1 » .
وقال الجنيد : كان يقول لي السّريّ : تكلّم على الناس . وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس ، فإنّي كنت أتّهم نفسي في استحقاق ذلك ، فرأيت ليلة في المنام النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وكانت ليلة جمعة ، فقال لي : تكلّم على الناس . فانتبهت وأتيت باب السّريّ قبل أن أصبح ، فدققت عليه الباب فقال : لم تصدّقنا حتى قيل لك . فقعدت للناس في غد بالجامع ، وانتشر في الناس أنّ الجنيد قعد يتكلّم على الناس ، فوقف عليّ غلام نصراني متنكّرا وقال لي : أيها الشيخ ! ما معنى قول رسول اللّه : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » « 2 » ؟ قال : فأطرقت رأسي ثم رفعته وقلت : أسلم فقد حان وقت إسلامك . فأسلم الغلام « 3 » .
وقال أبو عبد اللّه المكانسي : كنت عند الجنيد يوما فأتته امرأة فقالت : إنّ ابنا لي قد ضاع فادع اللّه تعالى لي . فقال : اذهبي واصبري . فمضت ثم عادت وقالت مثل ذلك . فقال الجنيد : اذهبي واصبري . فمضت ثم عادت ، ففعلت ذلك مرارا والجنيد يقول : اذهبي واصبري . فقالت له : عيل صبري ولم يبق لي طاقة ، فادع لي . فقال الجنيد : إن كان كما قلت فاذهبي فقد رجع ابنك .
فمضت وعادت تشكره ، وأخبرته بعوده . فقيل له : بم عرفت ذلك ؟ فقال : لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
[ النمل : 62 ] .
هامش
( 1 ) المنتقى لابن خميس 86 ب وما بين معقوفين منه .
( 2 ) الحديث أخرجه الترمذي 5 / 298 برقم 3127 في التفسير باب ومن سورة الحجر ، والطبري في التفسير 14 / 46 سورة الحجر الآية 75 كلاهما عن عطية العوفي عن أبي سعيد . وأخرجه الطبراني في الكبير 8 / 102 وأبو نعيم في الحلية 6 / 118 والخطيب في تاريخ بغداد 5 / 99 بإسنادهم عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة ، وذكره المؤلف في جامع الأصول 2 / 206 والهيثمي في المجمع 10 / 268 عن الطبراني وقال : وإسناده حسن .
( 3 ) المنتقى لابن خميس 86 ب ، 87 أ .