الجنيد بالباب اخرج إليه ، فنفيت ذلك عن قلبي وقلت : وسوسة ؛ فوقع لي خاطر ثان يقتضي مني الخروج أنّ الجنيد على الباب فأخرج إليه ، فنفيت ذلك عن سرّي ، فوقع لي خاطر ثالث ، فعلمت أنّه حقّ وليس بوسوسة ؛ ففتحت الباب ، فإذا بالجنيد قائم يسلّم عليّ وقال : يا خير ! ألا خرجت مع الخاطر الأول « 1 » .
وقال أبو عمرو بن علوان : خرجت يوما إلى سوق الرّحبة في حاجة ، فرأيت جنازة ، فتبعتها لأصلّي عليها ، ووقفت حتى يدفن الميت في جملة الناس ، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمّد ، فألححت بالنظر ، واسترجعت واستغفرت اللّه ، وعدت إلى منزلي ، فقالت لي عجوز لي :
يا سيدي ! مالي أرى وجهك أسود ؟ ! فأخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود ، فرجعت إلى سرّي انظر من أين دهيت ، فذكرت النظرة ، فانفردت إلى موضع أستغفر اللّه وأسأله الإقالة أربعين يوما ، فخطر في قلبي أن زر شيخك الجنيد ، فانحدرت إلى بغداد ، فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب ، فقال لي : ادخل يا أبا عمرو ، تذنب بالرحبة ونستغفر لك ببغداد ! ؟ « 2 » .
وقال الجنيد : أرقت ليلة فقمت إلى وردي ، فلم أجد ما كنت أجد من الحلاوة ، فأردت أن أنام فلم أقدر عليه ، فأردت القعود فلم أطق ، ففتحت الباب وخرجت ، فإذا رجل ملتفّ في عباءة مطروح على الطريق ، فلما أحسّ بي رفع رأسه وقال : يا أبا القاسم إليّ الساعة . فقلت : يا سيدي ! من غير موعد ؟ فقال : بلى ، سألت محرّك القلوب أن يحرّك لي قلبك . فقلت :
ما حاجتك ؟ قال : حتى يصير داء النفس دواءها ؟ فقلت : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها . فأقبل على نفسه وقال : اسمعي ، قد أخبرتك بهذا الجواب سبع مرّات وأبيت إلّا أن تسمعيه من الجنيد ، فقد سمعت .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 7 / 247 .
( 2 ) تاريخ بغداد 7 / 247 وصفة الصفوة 2 / 419 .