عن الخلق . ثم قالوا لي : يجزيك « 1 » ؟ قلت : نعم . ثم انتفضوا فعادوا إلى صورهم التي كانت أوّلا ، ثم خرجوا من المسجد يمشون ، حتى جاءوا إلى دكّان بقّال ، فيها قصب وحطب ، فتناول أحدهم من القصب قبضة فصارت في يده حطبا ، وتناول من الحطب فصار في يده قصبا ! ثم قال لي : يجزيك ؟
فقلت : أجزاني . ثم مضوا وانتبهت ؛ فلما أصبحت جلست على بابنا أنتظر ما رأيت في ليلتي فإذا الثلاثة بأعيانهم دخلوا المسجد ، فدخلت خلفهم فكان مثل ما رأيت ، ثم خرجوا من المسجد واتّبعتهم ، حتى جاءوا إلى دكّان البقّال ، فكان مثل ما رأيت أيضا فلما أرادوا أن يفارقوني قلت لهم : من ببغداد من الأبدال ؟ فقالوا : فلان وفلان لقوم أعرفهم . قال الجنيد : فكأني أزريت على واحد منهم بقلبي فقلت : وفلان من الأبدال ! ؟ قالوا : نعم ، هو من أهل الأنس باللّه تعالى . فما زال الجنيد يقول : هم ثلاثة ، فيسأل عنهم فلا يخبر ولكن يقول : قد مات منهم وبقي منهم . وما زال يقول بقي واحد إلى أن مات ، فكنّا نرى أنّ الذي أخبر أنّه من أهل الأنس باللّه تعالى أحمد بن مسروق ؛ والذي أزرى عليه عنى به نفسه واللّه أعلم .
وقال أبو جعفر الفرغاني : كنّا عند الجنيد جلوسا في المسجد ، فجرى ذكر ناس يجلسون في المساجد ويتشبّهون بالصوفيّة ويقصّرون فيما يجب عليهم من حقّ الجلوس ، ويعيبون على من يدخل السوق ، فقال الجنيد :
كم ممّن هو في السوق حكمه أن يدخل المسجد فيأخذ بأذن بعض من فيه فيخرجه إلى السوق ثم يجلس مكانه . ثم قال : لأعرف رجلا يدخل السوق منذ أربعين ما كسب حبّة واحدة ، وكان في سوقه وورده كلّ يوم ثلاث مائة ركعة ، وثلاثون ألف تسبيحة . فسبق إليّ أنه عنى نفسه بذلك .
وقال الرّوذباري : كان الجنيد قد ترك السماع وشغله العلم والعمل ،
هامش
( 1 ) يجزيك : يكفيك ، يقال : ما يجزيني هذا الثوب : أي ما يكفيني . اللسان ( جزي ) .