وانصرف عني ولم أعرفه ولا وقفت عليه « 1 » .
وقال عبد الوهاب : كنت جالسا عند الجنيد أيّام الموسم وحوله جماعة كثيرون ، العجم والمولّدون ، فجاء إنسان بخمس مائة دينار ، ووضعها بين يديه وقال : تفرّقها على هؤلاء . فقال : ألك غير هذا المال ؟ فقال : نعم ، لي دنانير كثيرة . فقال : تريد غير ما تملك ؟ قال : نعم . فقال الجنيد : خذها فإنّك إليها أحوج منّا . ولم يقبلها .
وقال : لقيت شابّا من المريدين في البادية تحت شجرة من أشجار أمّ غيلان « 2 » ، فقلت له : ما أجلسك ههنا ؟ فقال : حال فقدته . فمضيت وتركته ، فما انصرفت من الحجّ ، فإذا أنا بالشابّ قد انتقل إلى موضع آخر قريب من الشجرة فقلت : ما جلوسك ههنا ؟ فقال : وجدت ما كنت أطلبه ههنا في هذا الموضع ، فلزمته . قال الجنيد : فلا أدري أيّهما كان أشرف ؟ لزومه لفقد حاله أو لزومه للوضع الذي نال فيه مراده .
وقال : إنّ شابّا كان يصحب الجنيد يتكلّم على خواطر الناس ، فقال له الجنيد يوما : أيّ شيء هذا الذي يذكر عنك ؟ فقال له الشاب : اعتقد شيئا بقلبك . فقال له الجنيد : اعتقدت . فقال له الشاب : اعتقدت كذا وكذا .
فقال الجنيد : لا . فقال : اعتقد ثانيا . ففعل ، فقال : اعتقدت كذا وكذا .
فقال [ الجنيد ] : لا . فقال ثالثا : فقال مثله . فقال الشاب : هذا عجب ! أنت صدوق ، وأنا أعرف « 3 » قلبي . فقال له الجنيد : صدقت في الأول والثاني
هامش
( 1 ) المنتقى لابن خميس 85 ب ، وذكره السبكي في طبقاته 2 / 262 والمناوي في الكواكب 1 / 217 .
( 2 ) شجر أم غيلان : هو شجر السّمر ، صغار الورق ، قصار الشوك ، وله برمة صفراء يأكلها الناس ، وليس في العضاه شيء أجود منه خشبا ، ينقل إلى القرى فتغمّى به البيوت . اللسان ( غيل ، سمر ) .
( 3 ) في المنتقى : « لا أعرف » .