قال : فكانت تلك الشّربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها ، لا أجد جوعا ولا عطشا « 1 » .
وقال عبيد بن هشام البصري : أتيت زمزم فوجدت شيخا قد متح بالدّلو ، ثمّ شرب ، ثمّ عاد فشرب ، ثم عاد فشرب ، ثم نظر إلى زمزم وكأنه يدعو ، ثم انصرف ، فأتيت الدّلو لأشربه ، فإذا لبن ، فتركته ولحقت بالشيخ ، فقلت : من أنت رحمك اللّه ؟ فقال : أنا سفيان بن سعيد الثوريّ « 2 » .
وقال محمد بن عصام : استأذن أبي سفيان الثوريّ ، وهو مقيم بمكّة مجاور معه ، أن يقدم منزله مع الحجّاج ثم يعود في الموسم . فلمّا خرج الحجّاج ، خرج أبي على طريق الكوفة قاصدا إلى دار سفيان ، وكان ابنه محمّد قد تحرّك وبلغ عشر سنين ، فقال له : اقرأ على أبي السّلام وقل له :
اقدم ، فإنّي مشتاق إليك ، فلمّا وافى مكّة ، قضى الطّواف وسار إلى سفيان ، وهو يحدّث ، والناس مجتمعون عليه ، فلمّا رآه أنس إليه ، وكان يسأله حتّى أدّى إليه ما قال ابنه ، فقام سفيان من المجلس ، وطاف بالبيت ، وصلّى خلف المقام ، وودّع البيت وخرج نحو الأبطح ، والنّاس في طلبه ، فقال :
يا عصام ، ردّ عنّي هؤلاء القوم ، فإنّي لا أحدّثهم اليوم ، فما زال حتى صرف أصحاب الحديث عنه ، وخلا وجهه ، فقال له عصام : أين تمضي ؟
قال : نحو المنزل إن شاء اللّه ، فقال له : بعد غد التروية ، وبعده يوم الحجّ الأكبر ويوم النّحر ، وتمضي وتدعه ، وهؤلاء الناس يأخذون عنك العلم ، فيبقى لك أجر من عمل بشيء منه ؟ فقال له : أنا أعلم بهذا منك ، ولكن أتيتني بفرض واجب أن أقضيه ، وتأمرني أن أقيم على نافلة وأضيّع الفرض ، وابني مشتاق إليّ ! فإذا قمت في الموقف والمشاهد فادع لنا ، وإذا خرجت فاجعلنا
هامش
( 1 ) الحلية 7 / 73 .
( 2 ) الحلية 7 / 73 - 74 .