لا يضجره النّداء ، ولا تخيّب من دعاك . إلهي هب لي بصرا يرفعه إليك صدقه ، فإنّ من يعرف بك غير مجهول ، ومن يلوذ بك غير مخذول ، ومن يبتهج بك لمسرور ، ومن يعتصم بك لمنصور « 1 » .
وقال في صفة الأولياء : أولئك قوم حجبهم اللّه عن عيون خلقه ، وأخفاهم عن آفات الدنيا وفتنتها ألا وهم الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين ، واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم ، واستدلّوا على فساد أعمالهم بالمعرفة ، وهربوا من وحشة الغفلة ، واحتجزوا عن الغفلة بخوف الوعيد ، وجدّوا في صدق الأعمال لإدراك الفوت ، وخلوا عن مطامع الكذب ومعانقة الهوى ، وأدحضوا حجج المبتدعين باتّباع السّنن ، وبادروا الانتقال عن المكروه قبل فوت الإمكان ، وتلقّوا النّعم بالشكر استجلابا لمزيده ، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم ، وحركات الجوارح من زينة الدنيا وغرورها ، فزهدوا فيها عيانا ، وأكلوا منها قصدا ، وقدّموا فضلا ، وأحرزوا ذخرا ، وتزوّدوا التقوى ، شمّروا في طلب النعيم بالسّير الحثيث والأعمال الزكيّة وهم يظنون ، بل لا يشكّون أنهم مقصّرون « 2 » .
وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت تعبا ، إن نفعني تعبي والموت يجدّ في طلبي « 3 » .
وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت مقيما على ذنب ونعمة ، فلا أدري على « 4 » الذنب أستغفر أم على النعمة أشكر « 5 » ؟
وقيل له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت بطّالا عن العبادة ، متلوّثا بالمعاصي ، أتمنّى منازل الأبرار وأعمل عمل الأشرار « 5 » .
هامش
( 1 ) الحلية 9 / 349 .
( 2 ) راواه أبو نعيم في الحلية 9 / 349 ، 350 مطوّلا .
( 3 ) الحلية 9 / 351 .
( 4 ) في الحلية « من الذنب » .
( 5 ) الحلية 9 / 351 .