تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
وقال محمد بن زيد التميمي : كنت مع ذي النون ، فنظر إلى دار تبنى شاهقة في الهواء ، وإذا شابّ في ظلّ فنائها يأمر وينهى ، فقال ذو النون : أيّها المغرور بدار الغرور ، واللاهي عن دار البقاء والسرور ! كيف لا تشتري من مولاك دارا في دار الأمان ؟ لا يضيق فيها المكان ولا ينزعج منها السكان ، ولا تشعّثها حوادث الزمان ، ولا تحتاج إلى بنّاء وطيّان ؟ ويجمع هذه الدار حدود أربعة : فالحدّ الأول ينتهي إلى منازل الراجين المحروسين ؛ والحدّ الثاني ينتهي إلى منازل الخائفين ؛ والحدّ الثالث ينتهي إلى منازل المحبّين ؛ والحدّ الرابع ينتهي إلى منازل الفائزين ، ويشرع لهذه الدار شارع إلى خيام مضروبة ، وقباب منصوبة ، على شاطى أنهار الجنان ، في ميادين قد أشرقت ، وغرف قد رفعت ، فيها سرر قد صفّفت ، عليها فرش قد نضّدت ، فيها أنهار من ألبان ، قد علاه كثبان مسك وزعفران ، قد عانقوا خيرات حسان ، هذا ما اشترى العبد المحبور من الملك الغفور ، اشترى منه هذه الدار ، بالتنقّل من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة ، فما أدرك المشتري فيما اشترى من درك ؛ فبنقض العهود وحلّ العقود ، والشّرود عن المعبود ، وشهد على ذلك البيان ، وما نطق به محكم القرآن بقول الملك الديّان :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
[ التوبة : 111 ] . وقال عليّ بن الهيثم المصري : سمعت ذا النون يقول : اللهم اجعلنا من الذين جازوا دار الظالمين واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين ، وشابوا ثمرة العمل بنور الإخلاص ، واستقوا من عين الحكمة ، وركبوا سفينة الفطنة ، وأقلعوا بريح اليقين ولجّجوا « 1 » في بحر النجاة ، وأرسوا بشطّ
هامش
( 1 ) لجّجوا : خاضوا اللّجّة ، وهي معظم الماء . القاموس ( لجج ) .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 344 | مجد الدين ابن الأثير