ترفضهم ، وتركوها قبل أن تتركهم ، وسمعوا صوت المنادي يقول :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
[ آل عمران : 133 ] ، فما عاجوه « 1 » ولا انتظروا ، واستبطؤوا أنفسهم وخافوا أن يحال بينهم وبين السابق ، فشمّروا وقصدوا إلى اللّه عزّ وجلّ إيمانا به ووفاء بعهده ، وإيقانا بمعرفته كما قال تعالى :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[ الأحزاب : 23 ] احتملوا في الدنيا المصائب ، لما يرجون في الآخرة من الرغائب ، فلم يجدوا ألم البلاء ولم يجبنوا ببعض الأذاء ، استصغروا عند تحقّق المعرفة باللّه كلّ ما نالهم ، طيّبة بذلك أنفسهم ، صحيحة للّه نيّاتهم ، سليمة لأولياء اللّه صدورهم ، عرفوا شدّة فقرهم إليه فقطعوا الرجاء من غيره ، وعزفت عن الدنيا نفوسهم ، وتطلّعت إلى الآخرة قلوبهم ، فما نظروا إلى الدنيا نظرة راغب ، ولا تزوّدوا منها إلا كزاد الرّاكب ، خافوا الهلاك فأسرعوا ، ورجوا النجاة فأدلجوا سيرا إلى اللّه تعالى ، لا عن العلم مقصّرين ولا غافلين ، جعلوا القرآن صراطهم المستقيم ، فثبّتوا عليه أقدامهم ، وأصغوا إليه آذانهم ، فكان لهم إلى الخير داعيا ، وإلى النجاة دليلا هاديا ، أولئك الذين هداهم اللّه وأولئك هم أولو الألباب .
وقال الجوهري : سمعت ذا النّون يقول : ينبغي لمن علم أنّ له مقاما بين يدي اللّه عزّ وجلّ ليسأله عمّا أسلف في هذه الدار ، أن لا يوفّر القليل الحقير على الجزيل الكثير ، ولا التأنّي والتقصير على الجدّ والتشمير ، ولا سيما إذا كان ممّن أيّده اللّه منه بإتقان العلم ، ولقّح عقله بدلالات الفهم ، أن لا يتحيّر في ظلمة الغفلة التي تحيّر فيها الجاهلون ، والعجب كلّ العجب لأهل هذه الصفة ! كيف استوحشوا من طاعة اللّه وأنسوا بغيره ؟ ! وركنوا إلى الدنيا وتقلّب حالاتهم بها ، ولا زادتهم الدنيا إلا هوانا
هامش
( 1 ) ما عاجوه : أي لم يقيموا ويتلبثوا به ؛ جاء في النهاية ( عوج ) : عاج بالمكان وعوّج : أي أقام . وعاجه يعوجه : يتعدّى ولا يتعدّى . اه .