ولا ازدادوا لها إلا إكراما ، فما استيقظ من وسنته بخلع ربق الغلّ من عنقه ، وهتك جلباب الرّان عن قلبه ، وإنّ من أنصح النصحاء لك يا أخي من حملك على المحجّة « 1 » ، وأمرك بالرحلة ، ولم يحسّن لك سوف وأرجو ولعلّ ، فما رأيت هذه الخصال تورث صاحبها إلا الخسارة والندامة ، فكابدوا التسويف بالعزم ، وبادروا التفريط بالحزم ، فقد وضح لكم الطريق ، واللّه المستعان ، والمرشد والدليل .
وقال الجوهري : سمعت ذا النّون يقول : إنّ للّه عبادا ، وإن للّه صفوة ، وإن للّه خيرة . قيل له : وما علامتهم ؟ قال : إذا خلع العبد الرّاحة ، وأعطى المجهود في الطاعة ، وأحبّ سقوط المنزلة . قيل له : فما علامة إقبال اللّه على العبد ؟ قال : إذا رأيته صابرا شاكرا ذاكرا .
قيل له : فما علامة إعراض اللّه عن العبد ؟ قال : إذا رأيته ساهيا لاهيا لاعبا معرضا عن ذكر اللّه . قيل له : فما علامة الأنس باللّه ؟ قال : إذا رأيت اللّه يؤنسك بخلقه فاعلم أنه يوحشك من نفسه ، وإذا رأيت أنه يوحشك من خلقه فاعلم أنه يؤنسك به « 2 » .
وقيل له : أيّ الأحوال أغلب على قلب العارف السرور أو الحزن ؟
فقال : ليس هناك حال يشار إليها دون حال ، ولا سبب دون سبب ، وأنا أضرب لك في ذلك مثلا : مثل العارف في هذه الدار مثل رجل قد توّج بتاج الكرامة وأجلس على سرير في بيت قد علّق فوق رأسه سيف بشعره ، وأرسل على الباب سبعان ضاريان يشرف ساعة بعد ساعة على الهلاك ، فأنّى له السّرور أو الحزن على التمام .
وقال بعض المشايخ : السيف المعلّق على رأسه الأحكام ، والسّبعان اللذان على الباب الأمر والنّهي .
هامش
( 1 ) المحجّة : الطريق وجادّته .
( 2 ) انظر الحلية 9 / 377 .