قال يوسف بن الحسين : سئل ذو النون عن حملة القرآن فقال : هم الذين أمطرت عليهم سحائب الأشجان ، فأنصبوا الرّكب والأبدان ، وتسربلوا الخوف والأحزان ، وشربوا بكأس اليقين ، وروّضوا « 1 » أنفسهم رياضة الموقنين ، فكان قرّة عينهم فيما قلّ وزجا « 2 » ، وبلّغ وكفى ، وستر ووارى ، كحلوا أبصارهم بالسّهر وغضّوها عن النظر ، وألزموها العبر ، وأشعروها الفكر ، فقاموا ليلهم أرقا ، واستهلّت آماقهم نسقا ، وتبادرت دموعهم سحّا فلم ترقا « 3 » .
نهارهم صيام سغبا ، وليلهم قيام تعبا ، متبتّلين إليه في ساعات الليل والنهار ؛ صحبوا القرآن بأبدان ناحلة ، وشفاه ذابلة ، ودموع وابلة ، وزفرات قاتلة ؛ فحال بينهم وبين نعيم المتنعّمين رعاية آمال الراغبين ، فاضت عبراتهم من وعيده ، وشابت ذوائبهم من تحذيره ، فكأنّ زفير النار تحت أقدامهم ، تمرضهم قوارعه ، وتشفيهم منافعه ، لم يشقوا بحمله ، ولم يروّعوا عن عدله ، آمنوا بتنزيله ، وجاهدوا في سبيله ، بعبرة وبيان ، وحجّة وبرهان ، فلو رأيتهم رأيت قوما قد جعلوا الرّكب للتراب مهادا ، والتراب لجباههم وسادا ، تقرّبوا بخالص القربان ، ومضوا على شرائع الإيمان ، واستناروا بنور الرحمن ، فأقلّ ما لبثوا أن أنجز لهم القرآن موعوده ، ووفّى لهم عهوده ، فنالوا به الرغائب ، وأمنوا به المعاطب ، نظروا إلى الدنيا بأعين قالية ، وأنفس مرضيّة ؛ أتراهم لم يشتهوا من الأموال كنوزها ؟ ومن المطايا عزيزها ؟ ومن القصور مشيدها ؟ بلى ، ولكنهم نظروا بتوفيق اللّه ومحبّته فرفضوا الدنيا قبل أن
هامش
( 1 ) في الأصل : « رضوا » وما أثبته أشبه بالصواب .
( 2 ) في الأصل ( أ ) : « وزجى » ، والوجه ما أثبته لأنه واوي الأصل : زجا زجوا ، ومعناه : تيسّر واستقام .
( 3 ) ترقا : من رقأ الدمع : إذا جفّ وسكن ؛ وسهّلت الهمزة للسجع . وكتبت في الأصل « ترقى » .