وقال محمد بن الحسن الجوهري : دخلت أنا وأبو الفضل على ذي النون فقلت له : أكرمك اللّه ، حدّثني بحديث لعلّي أنتفع به وأذكرك به .
فرفع رأسه إليّ ونظر ساعة ثم قال : وأنت تكتب الحديث ؟ فقلت : ربما فعلت ، ورجوت أنّك تحدّثني حديثا في الرقائق يكون عونا لي على هذا المذهب . فقال : للحديث رجال ، ولي شغل بنفسي عن الحديث ، وإن كان الحديث من أركان الدّين ، ولولا نقص دخل على أهل الحديث والفقه لكانوا أفضل الناس في زمانهم ، ولكن بذلوا علمهم لأهل الدنيا فحجبوهم وتكبّروا عليهم وجعلوهم خولا ، وافتتنوا بالدنيا لما رأوا من حرص أهل العلم والقرّاء على الدنيا والمنزلة عند أهلها ، والقوم طلبوا الآخرة وخافوا أن لا ينالوها وهؤلاء طلبوا الدنيا بعلمهم وموّهوا على الناس ليظنّوا أنهم يطلبون بعلمهم ما عند اللّه تعالى ، فجعلوا العلم فخّا للدنيا ، فما أقبح هذا ! شيء يطلب به الباقي كسبوا به الفاني ، اللهم فلا تجعلنا منهم ؛ ولو أنهم لزموا باب ربّهم لكفاهم وأعزّهم ، ولكنهم انقطعوا إلى المخلوقين فوكلهم إليهم وأذلّهم ، ولو رجوا اللّه تعالى لم يرجوا غيره أحدا ، ولو خافوا اللّه تعالى لم يخافوا أحدا ، ولو انقطعوا إلى اللّه لم يذلّوا أبدا ، لقد جهلوا بعد علمهم ، وافتقروا بعد غناهم ، وذلّوا بعد عزّهم ، وصاروا عبيدا لأهل الدنيا بعد ما جعلهم اللّه أحرارا ؛ شربوا بكأس المفتونين شربة ، فذهبت بعقولهم ؛ إنّ العلم سلاح الدّين ، فإذا طلبت به الدنيا صيرته سلاحا للدنيا .
ثم قال : لقيت المسيّب بن واضح فقلت : أريد أن ألقاه إن شاء اللّه تعالى . فقال : إذا لقيته فاسأله أن يحدّثك عن يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن الحسن ، فإني أكره أن أكون محدّثا . فقلت : أسمعه منك فهو أحبّ إلي ، ولعلّي لا ألقاه . فقال : انظروا إلى الشاب ما أحرصه ! وإنّي أجد له موقعا ورقّة ، اللهم اصنع له وبلّغه أمله . قد طال مجلسنا ، ونعود إن شاء اللّه تعالى .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 340
مساهمون: مجد الدين ابن الأثير
ص٣٤٠