تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
كمّك بأسره . فطرحته وأنا خجل . وتوضّأنا للصلاة ، ورجعنا إلى المسجد ، وصلّينا الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؛ فلما كان بعد ساعة إذا إنسان قد جاء ومعه طعام ، عليه مكبة ، فوقف ينظر إلى ذي النون ، فقال له : مرّ ، فدعه قدّام ذاك . وأومى بيده إليّ . فتركه الرجل بين يدي ، فانتظرت الشيخ ليأكل ، فلم أره يقوم من مكانه ، ثم نظر إليّ وقال لي : كل . فقلت : وحدي ؟ قال : نعم ، أنت طلبت ، نحن ما طلبنا شيئا ، يأكل الطعام من طلبه . فأقبلت آكل وأنا خجل مستحي مما جرى منّي « 1 » . وقال إبراهيم البنّاء البغدادي : صحبت ذا النون من إخميم « 2 » إلى الإسكندريّة ، فلما صرنا في بعض الطريق ، وكان وقت إفطاره ، أخرجت قرصا وملحا كان معي فقلت : هلمّ رحمك اللّه . فقال : ملحك هذا مدقوق ؟ قلت : نعم . فقال : ليس تفلح « 3 » . فنظرت إلى مزوده ، وإذا فيه قليل سويق شعير ، يستفّ منه كلّ ليلة ما قسم له . حتى جئنا الإسكندريّة وقد تقاصرت إليّ نفسي ، فلما أردت فراقه قلت له : يا أبا الفيض ! عظني . بموعظة أحفظها عنك . فقال : أو تحفظها ؟ قلت : نعم إن شاء اللّه تعالى . فقال : يا إبراهيم ! احفظ عني خمسا ، فإن أنت حفظتهنّ لم تبال ما ذا أصبت بعدهنّ . قلت : وما هنّ يرحمك اللّه ؟ فقال : عانق الفقر ، وتوسّد الصّبر ، وعاد الشهوات ، وخالف الهوى ، وافزع إلى اللّه تعالى في أمورك كلّها ؛ فعند ذلك يورثك الشكر والرّضا ، والخوف والرجاء والصبر ؛ وتورثك هذه الخمسة خمسا : العلم ، والعمل ، وأداء الفرائض ، واجتناب المحارم ، والوفاء بالعهود ؛ ولن تصل بهذه الخمسة إلا بخمس : علم غزير ، ومعرفة شافية ، وحكمة باللغة ، وبصيرة نافذة ، ونفس واعية .
هامش
( 1 ) مناقب ابن خميس 25 أ . ( 2 ) مضى تعريف إخميم ص 331 الحاشية ( 2 ) من هذا الجزء . ( 3 ) في ( أ ) « يفلح » ، والمثبت من مناقب ابن خميس .