ما ترى ، فإني غير منتصر لنفسي . فقال أمير المؤمنين : هذا رجل بريء مما قيل فيه . ثم قال : عظنا عافاك اللّه . فقلت : يا أمير المؤمنين ! رجل يعلم أنّ اللّه تعالى خلقه وخلق الجنّة من أجله إن أطاعه ، وخلق النار من أجله إن عصاه ، ولا يكون على مثل ما رميت به من البدعة ، ولا مثل ما أنت « 1 » عليه من الغفلة . فخلّى عنّي ، فخرجت إلى العجوز فقلت لها : جزاك اللّه عنّي خيرا ، فقد امتثلت ما أمرت به ، فمن أين لك هذا ؟ فقالت : من حيث الهدهد وما خاطب به سليمان بن داود عليهما السلام . فقلت : ادعي اللّه لي . فقالت : مرّ ، جعلك اللّه تعالى مسلما « 2 » .
وقال يوسف بن الحسين : بلغني أنّ ذا النّون يعلم اسم اللّه الأعظم ، فخرجت من مكة قاصدا إليه ، حتى وافيته في جيزة مصر ، فأوّل ما بصر بي رآني طويل اللّحية وفي يدي ركوة طويلة ، متّزر بمئزر وعلى كتفي مئزر ، وفي رجلي تاسومة « 3 » ، فاستبشع منظري ، فلما سلّمت عليه كأنّه ازدراني ، وما رأيت منه تلك البشاشة ، فقلت في نفسي : ترى مع من قد وقعت ؟
فجلست عنده ، فلما كان بعد يومين أو ثلاثة جاءه رجل من المتكلّمين فناظره في شيء من الكلام ، واستظهر على ذي النون وغلبه فاغتممت لذلك ، فتقدّمت وجلست بين أيديهما ، واستلبت المتكلّم إليّ وناظرته حتى قطعته ، ثم دقّقت حتى لم يفهم كلامي ؛ فعجب ذو النّون من ذلك ، وكان شيخا وأنا شابّ ، فقام من مكانه وجلس بين يدي وقال : اعذرني فإني لم أعرف محلّك من العلم وأنت آثر الناس عندي . وما زال بعد ذلك يجلّني ويرفعني على جميع أصحابه ، حتى بقيت على ذلك سنة كاملة ، فقلت له
هامش
( 1 ) في مناقب ابن خميس : « ما أنتم » .
( 2 ) الخبر بطولة في مناقب ابن خميس 29 ب ، 30 أ .
( 3 ) التاسومة : ضرب من الأحذية ، مثل الخف والنعل والبابوج وغيرها ، جمعها تواسيم ، انظر تكملة المعاجم العربية لدوزي .