صاحبه بألوف ، فما على قلبي شغل أعظم منه . ثم قال لي : وضّئني للصلاة . وذكر نحو ما تقدّم وقال في آخره : ما تقولون في رجل لم يفتنه أدب من آداب الشريعة « 1 » ؟ !
وقال عبد اللّه بن محمد الدّمشقي : وقفت يوما على حلقة الشّبلي ، فوقف سائل على حلقته وجعل يقول : يا للّه ! يا جواد ! فتأوّه الشّبليّ وصاح وقال : كيف يمكنني أن أصف الحقّ بالجود ومخلوق يقول في شكله :
تعوّد بسط الكفّ حتى لو أنّه * ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهلّلا * كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفّه غير روحه * لجاد بها فليتّق اللّه آمله
هو البحر من أيّ النواحي أتيته * فلجّته المعروف والجود ساحله « 2 »
ثم بكى وقال : بلى أنت جواد ، فإنّك أوجدت تلك الجوارح ، وبسطت تلك الهمم ، ثم مننت بعد ذلك على أقوام بالاستغناء عنهم ، وعمّا في أيديهم بك ، فإنّك الجواد كلّ الجواد ، فإنهم يعطون عن محدود ، وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة ، فيا جوادا يعلو كلّ جواد ، وبه جاد من جاد « 3 » .
وقيل له : إنّ أبا تراب النّخشبي جاع في البادية ، فرأى البادية كلّها طعاما فقال : عبد رفق به ، ولو بلغ إلى محلّ التحقيق لكان كمن قال : إنّي أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني « 4 » .
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 14 / 396 .
( 2 ) الأبيات ما عدا الثاني لأبي تمام وهي في ديوانه 3 / 29 بشرح الخطيب التبريزي ؛ والبيت الثاني لزهير بن أبي سلمى ، وهو في شرح ديوانه لثعلب ص 142 ، والأبيات الأربعة مما تمثل به الشبلي وهي في ديوانه ص 167 .
( 3 ) الخبر والأبيات في طبقات الصوفية ص 346 والحلية 10 / 373 .
( 4 ) طبقات الصوفية ص 339 .