تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
فلما حملوه إلى قبره خرج في جنازته خلق كثير ، حتى خرج ذوات الخدور ، فقال ابن السمّاك : يا داود ! سجنت نفسك قبل أن تسجن ، وحاسبت نفسك قبل أن تحاسب ، فاليوم ترى ثواب ما كنت ترجو ، وله كنت تنصب وتعمل . فقال أبو بكر بن عيّاش وهو على شفير القبر : اللهمّ لا تكل داود إلى عمله . قال : فأعجب الناس ما قال أبو بكر « 1 » . وقال ابن السمّاك حين مات داود : ما أعجب شأنك ! ألزمت نفسك الصّمت حتى قوّمتها على العدل ، أهنتها وإنما تريد كرامتها ، وأذللتها وإنما تريد إعزازها ، ووضعتها ، وإنما تريد تشريفها ، وأتعبتها وإنما تريد راحتها ، وأجعتها وإنما تريد إشباعها ، وأظمأتها وإنما تريد ريّها ، وخشّنت الملبس وإنما تريد لينه ، وخشّنت « 2 » المطعم وإنما تريد طيبه ، وأمتّ نفسك قبل أن تموت ، وقبرتها قبل أن تقبر ، وعذّبتها قبل أن تعذّب ، وغيّبتها عن الناس كي « 3 » لا تذكر ، ورغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا « 4 » ؛ كان سيماك في عملك وسرّك ، ولم يكن سيماك في وجهك ، فقهت في دينك ، ثم تركت الناس يفتون ويتفقّهون ، وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يتحدّثون ويروون ، وخرست عن القول وتركت الناس ينطقون ، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار ، ولا تقبل من السلطان عطيّة ، ولا من الإخوان « 5 » هديّة ، ولا تدنيك المطامع ، ولا ترغب إلى الناس في الصنائع . آنس ما تكون إذا كنت باللّه خاليا ، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالسا ، فأوحش ما يكون آنس
هامش
( 1 ) الحلية 7 / 340 . ( 2 ) في الحلية : « وجشبت الطعام » وهما بمعنى ؛ يقال : جشب الطعام : خشن وغلظ . معجم متن اللغة ( جشب ) . ( 3 ) في ( أ ) : « كيلا » . ( 4 ) في الحلية : « ورغبت بنفسك عن الدنيا ، فلم تر لها قدرا ولا خطرا » . ( 5 ) في الحلية : « ولا من الأمراء هدية » .
المختار من مناقب الأخيار — صفحة 288 | مجد الدين ابن الأثير