فجعل حسن يسأل داود عن المسألة وداود ساكت لا يردّ عليه شيئا ، فلما أعاد عليه ذلك مرارا ولم يردّ عليه داود شيئا قام وخرج ، وبقي الطائيّ قاعدا فقال له : يجيئك ابن عمّ لك يسألك عن مسألة ولا تجيبه ! فلما أكثر عليه قال :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
[ المؤمنون : 101 ] « 1 » .
وقال عبد اللّه الأعرج : أتيت داود فصلّيت معه المغرب ، فكان لا يتطوّع في المسجد ، فتبعته ، فصعّد فيّ البصر فقلت : أضيفك الليلة ؟ فدخل ودخلت معه ، فصلّى ما شاء اللّه ، ثم أخرج رغيفين يابسين فجلس « 2 » وقال لي : ادن فكل . فأشفقت عليه أن آكل معه . فأكل ثم قام إلى شنّ في الدار في زمن صائف ، فأخذ يشرب منه فقلت : يا أبا سليمان ! لو أمرت من يبرّد لك هذا الماء . فقال لي « 3 » : أعلمت أنّ الذي يبرّد له الماء في الصيف ، ويسخّن له في الشتاء لا يحبّ لقاء اللّه ، فقلت : يا أبا سليمان ! أوصني .
فقال : صم الدنيا ، واجعل فطرك منها الآخرة . فقلت : زدني . فقال : ليكن كاتباك محدّثيك . قلت : زدني . قال : برّ والديك . قلت : زدني . قال : فرّ من الناس فرارك من الأسد غير مفارق لجماعتهم . ثم خرجت « 4 » .
وقال رجل من أهل داود الطائي : قلت له يوما : يا أبا سليمان ! قد عرفت الرحم بيننا فأوصني . قال : فدمعت عيناه ثم قال : يا أخي ، إنما الليل والنهار مراحل تنزل بالناس مرحلة مرحلة ، حتى تنتهي بهم ، ذلك [ إلى ] آخر سفرهم . فإن استطعت أن تقدّم في كلّ مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ، فإنّ انقطاع السفر عن قريب ما هو ، والأمر أعجل من ذلك . فتزوّد لسفرك ، واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنّك بالأمر قد بغتك ، إنّي لأقول
هامش
( 1 ) الحلية 7 / 344 ، 345 .
( 2 ) في ( أ ) : « فجعل » تصحيف ، والمثبت من الحلية .
( 3 ) في ( أ ) : « له » ، والمثبت من الحلية .
( 4 ) الحلية 7 / 345 .