قبل ذلك كثير الكلام ، وكانت معالجته نفسه في ترك الكلام ، فأخرجته تلك المعالجة إلى التفكّر ، فبالتفكّر ملك نفسه ، ولقد جئته يوما في وقت الصلاة فانتظرته حتى خرج ، فمشيت معه قريبا منه ، فسلك بي غير طريقه فقلت :
أين تريد ؟ فسلك بي سككا خالية حتى خرج على المسجد ، فقلت : الطريق ثمّة أقرب عليك . فقال : يا سعيد ! فرّ من الناس فرارك من السّبع ، إنّه ما خالط أحد إلا نسي العهد « 1 » .
وقال أبو أسامة : جئت أنا وابن عيينة داود الطائي فقال : قد جئتماني مرّة فلا تعودا إليّ « 1 » .
وقالت أخت الفضيل بن عبد الوهاب : أتيت داود الطائي لأسلّم عليه فأذن لي ، فقعدت على باب الحجرة فقلت : أنت وحدك ههنا ؟ فقال :
رحمك اللّه ، وهل الأنس اليوم إلا في الوحدة والانفراد ؟ إمّا متحمّل لك أو متحمّل له . ففي أيّ ذلك من خير ؟ « 2 » .
وقال أحمد بن ضرار العجلي : أتيت داود الطائي وهو في دار واسعة خربة ، ليس فيها إلا بيت ، وليس في بيته باب ، فقال له بعض القوم :
يا أبا سليمان ! أنت في دار وحشة ، فلو اتخذت لبيتك هذا بابا [ أ ] ما تستوحش ؟ فقال : حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا « 3 » .
وكان يقول : كفى باليقين زهدا ، وكفى بالعلم عبادة ، وكفى بالعبادة شغلا .
وقال عمير بن صدقة : كان داود الطائي لي صديقا ، وكنّا نجلس جميعا في حلقة أبي حنيفة حتى اعتزل وتعبّد ، فأتيته فقلت : يا أبا سليمان !
هامش
( 1 ) الحلية 7 / 342 .
( 2 ) الحلية 7 / 343 ، وفيه « ما متجمل لك أو متجمل له » بالجيم المعجمة .
( 3 ) الحلية 7 / 343 ، وما بين معقوفين منه .