وقال أبو خالد الأحمر : قال داود الطائي : ما حسدت أحدا على شيء إلا أن يكون رجلا يقوم الليل ، فإني أحبّ أن أرزق وقتا من الليل . قال أبو خالد : وبلغني أنّه كان لا ينام الليل ، إذا غلبته عيناه احتبى قاعدا « 1 » .
وقالت أم سعيد بن علقمة النّخعيّ : كان بيننا وبين داود الطائي حائط قصير ، وكنت أسمع حسّه عامّة الليل لا يهدأ . قالت : وربما سمعته يقول :
همّك عطّل عليّ الهموم ، وخالف بيني وبين السّهاد ، وشوّقني إلى النظر إليك ، وحال بيني وبين اللذّات ، فأنا في سجنك أيّها الكريم مطلوب .
قالت : وربما ترنّم بالآية فأرى أنّ جميع نعيم الدنيا جمع في ترنّمه وكان يكون في الدار وحده ، وكان لا يصبح فيها ؛ أي لا يسرج « 2 » .
وقال قبيصة بن عقبة « 3 » : مكث داود عشرين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء . قال قبيصة : وقد رأيته كان متخشّعا جدّا « 4 » .
وقال عمرو بن طلحة القنّاد : ورث داود الطائي من ابن عمّ له نحوا من مائة ألف درهم ، وعرضا وعنزة « 5 » ، فقال : قد جعلت ما أصابني من ميراثي منه صدقة على أهل [ الحاجة ] والمسكنة . قال عمرو : فقسمت واللّه في الأحياء عن آخرها درهما . فقال له حماد بن أبي حنيفة : لو بقّيت بعضها لخلّة تكون ؟ ! قال : إني احتسبت بها صلة الرّحم « 6 » .
وقال صالح بن أحمد بن عبد اللّه عن أبيه عن جده : قدم هارون الكوفة
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 8 / 351 .
( 2 ) تاريخ بغداد 8 / 351 ، 352 .
( 3 ) في تاريخ بغداد : وقال قبيصة بن عقبة : حدثتني جارية لداود - يعني الطائي - قالت : مكث . . .
( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 352 .
( 5 ) كذا في ( أ ) ، وفي تاريخ بغداد : « وعرضا وغيره » . والعرض : المتاع .
( 6 ) تاريخ بغداد 8 / 252 وما بين معقوفين منه ، ولعل الصواب : « درهما درهما » .