تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
وقال ابن أبي عديّ : صام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله ، وكان خزّازا « 1 » ، وكان يحمل غداءه معه ويصّدّق « 2 » به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء ، لا يعلمون أنه صائم « 3 » . وقال أبو الرّبيع الأعرج : دخلت على داود الطائي بيته بعد المغرب ، فقرّب إليّ كسيرات يابسة ، فعطشت وقمت إلى دنّ فيه ماء حار ، فقلت : رحمك اللّه ، لو اتخذت إناء غير هذا يكون فيه الماء . فقال : إذا كنت لا أشرب إلا باردا ولا آكل إلا طيّبا ولا ألبس إلا ليّنا ، فما أبقيت لآخرتي ؟ قال : قلت : أوصني . قال : صم الدنيا ، واجعل إفطارك فيها الموت ، وفرّ من الناس فرارك من السّبع ، وصاحب أهل التقوى إن صحبت ، فإنّهم أهل مؤونة ، وأحسن معونة ، ولا تدع الجماعة ، حسبك هذا إن عملت به « 4 » . وقال محمد بن عبد الرحمن الصّيرفيّ : رحل أبو الربيع الأعرج إلى داود الطائي من واسط ليراه ويسمع من شيئا ، فأقام على بابه ثلاثة أيام لم يصل إليه ، كان إذا سمع الإقامة خرج ، فإذا سلّم الإمام وثب فدخل منزله . قال : فصلّيت في مسجد آخر ثم جئت فجلست على بابه ، فلما جاء ليدخل من باب الدار قلت : ضيفك رحمك اللّه . قال : إن كنت ضيفا فادخل . فدخلت فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يكلّمني ، فلما كان بعد ثلاث قلت : رحمك اللّه . أتيتك من واسط ، وإنّي أحببت أن تزوّدني شيئا . فقال : صم له الدنيا ، واجعل فطرك الموت . فقلت : زدني رحمك اللّه . قال : فرّ من الناس كفرارك من الأسد غير طاعن عليهم ، ولا تارك لجماعتهم . قال : فذهبت أستزيده . فوثب إلى المحراب وقال : اللّه أكبر « 5 » .
هامش
( 1 ) كذا في ( أ ) ، وفيما سيأتي ص 822 وتاريخ بغداد : « خرازا » . ( 2 ) في تاريخ بغداد : « يتصدق » . ( 3 ) تاريخ بغداد 8 / 349 ، 350 ، وسيأتي الخبر في ترجمة داود بن أبي هند ص 291 موضع الحاشية ( 2 ) من هذا الجزء . ( 4 ) تاريخ بغداد 8 / 350 ، 351 . ( 5 ) تاريخ بغداد 8 / 351 .