تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
عهدي مع اللّه تعالى وقسمي به أني لا أمدّ يدي إلى شيء مما تنبته الأرض ، فمددت يدي إلى الشجرة فقطعت منها عنقودا ، وجعلت بعضه في فمي وأنا ألوكه ، ثم ذكرت العقد ، فرميت ما في يدي وبصقت ما في فمي وقلت : حانت المحنة . فرميت ترسي وحربتي ، وجلست في موضعي ويدي على رأسي ، فما استقرّ بي جلوسي حتى دار بي فرسان ورجّالة كثيرة وقالوا لي : قم . فساقوني إلى أن أخرجوني إلى الساحل ، فإذا أمير بيّاس « 1 » وحوله جماعة خيالة ورجّالة كثيرة ، وبين يديه جماعة سودان جمّاشين « 2 » كانوا يقطعون الطريق قبل ذلك اليوم في ذلك الموضع ، فأسرى إليهم أمير بيّاس وكبسهم في السّحر ، وأخذ من كان منهم في الأكواخ ، وافترقت الخيل تطلب من هرب منهم في الغابة ، فوجدوني أسود ومعي ترس وسيف وحربة ، فلما قدّمت إلى الأمير - وكان رجلا تركيّا - قال : أيش أنت ؟ قلت : عبد من عبيد اللّه تعالى . فقال للسّودان : أتعرفونه ؟ قالوا : لا . قال : بلى هو رئيسكم ، وإنّما تفدونه بأنفسكم ، لأقطعنّ أيديكم ، وأرجلكم ؛ قدّموهم . فلم يزل يقدّم رجلا رجلا ويقطع يده ورجله حتى انتهى إلى آخرهم ، فقال لي : تقدّم مدّ يدك . فمددتها فقطعت ، ثم قال لي : مدّ رجلك . فمددتها ، ثم رفعت رأسي إلى السماء وقلت : إلهي وسيّدي ! يدي جنت ، رجلي أيش عملت ؟ فإذا بفارس قد وقف على الحلقة ورمى نفسه إلى الأرض وقال : أيش تعملون ؟ تريدون أن تنطبق الخضراء على الغبراء ! هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير المباحي « 3 » - وكنت حينئذ أعرف بالمباحي - فرمى الأمير نفسه من فرسه وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبّلها ، وتعلّق بي يبكي
هامش
( 1 ) بيّاس : مدينة صغيرة شرقي أنطاكية وغربي المصّيصة ، قريبة من البحر ، بينها وبين الإسكندية فرسخان ، قريبة من جبل اللّكام . معجم البلدان 1 / 517 . ( 2 ) كذا ، والجمّاش : الرجل المتعرّض للنساء . القاموس ( جمش ) . ( 3 ) كذا في ( أ ، ل ) ومناقب ابن خميس ، وفي مختصر تاريخ ابن عساكر : « المناجي » ، ولم أجد له ذكرا في كتب الأنساب بهتين النسبتين .