صحب أبا عبد اللّه بن الجلّاء ومن في طبقته من المشايخ ، وكان أوحد في طريقة التوكّل ، وكان مقطوع اليد ، وكان سبب قطع يده ما حكاه بكر بن محمد « 1 » قال : كنت عند الشيخ أبي الخير التيناتي بتينات ، فبسطني بمحادثته لي - يذكر بدايته - إلى أن تهجّمت عليه فسألته عن سبب قطع يده وما كان منه ؟ فقال : يد جنت فقطعت . فظننت أنه كان له صبوة في حداثته من قطع الطريق أو نحوه مما أوجب ذلك ، فأمسكت ثم اجتمعت معه بعد ذلك بسنين مع جماعة من المشايخ ، فتذاكروا مواهب اللّه عزّ وجل لأوليائه ، وأكثروا كرامات اللّه لهم إلى أن ذكروا طيّ المسافات ، فتبرّم الشيخ بذلك وقال : كم يقولون فلان مشى إلى مكة في ليلة ، وفلان في يوم ، أنا أعرف عبدا من عبيد اللّه تعالى حبشيّا كان جالسا في جامع طرابلس ، ورأسه في جيب مرقّعته ، فخطر له طيبة الحرم ، فقال في سره :
يا ليتني كنت بالحرم ؛ فأخرج رأسه من مرقّعته فإذا هو في الحرم .
ثم أمسك عن الكلام ، فتغامز الجماعة وأجمعوا على أنّه ذلك الرجل ، فقال أحدهم : الجماعة « 2 » يسألون الشيخ أن يخبرهم ما الذي كان سبب قطع يده ؟ فقال كما قال لي : يد جنت فقطعت . فقيل له : قد سمعنا هذا منك مرارا كثيرة ، أخبرنا كيف كان السبب ؟ فقال : أنتم تعلمون أنّي من أهل المغرب ، فوقعت بي مطالبة السفر ، فسرت حتى بلغت الإسكندرية ، فأقمت اثنتي عشرة سنة ثم سرت منها إلى أن صرت بين شطا ودمياط ، فأقمت اثنتي عشرة سنة . فقيل له : مكانك إلى ههنا ، انتهينا . الإسكندريّة بلد عامر أمكن أن تقيم بها ، وما بين شطا ودمياط لا زرع ولا ضرع ، أيّ شيء كان قوتك مدة اثنتي عشرة سنة ؟ فقال : نعم ، كان في الناس خير في ذلك
هامش
( 1 ) كذا في ( أ ، ل ) ومختصر تاريخ ابن عساكر ، وفي مناقب ابن خميس : « بكير بن محمد » ، ولم أقف على ترجمة له .
( 2 ) في مناقب ابن خميس : « للجماعة » .