تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
قرصان بينهما شيء ، ولم يذكر أيّ شيء كان الشيء ، ولم يسأله أحد من الجماعة . قال : فكنت أجده على دائم وقتي من ليل إلى ليل ، ثم طولبت بالمسير إلى الثغر ، فسرت حتى دخلت قرية ، وكان ذلك يوم جمعة ، فوجدت في صحن الجامع قاصّا يتكلّم على الناس وحوله حلقة ، فوقفت بينهم أسمع ما يقول ، فذكر قصّة زكريا عليه السلام والمنشار ، وما كان من خطاب اللّه له حين هرب منهم فنادته الشجرة : إليّ يا زكريا . فانفرجت ، فدخلها وانطبقت عليه ، ولحقه العدوّ فتعلق « 1 » عباءته وناداهم : إليّ ، هذا زكريا . ثم أخرج لهم حيلة المنشار ، فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا عليه السلام فأنّ منه أنّة ، فأوحى اللّه تعالى إليه : يا زكريا ، لئن صعدت منك أنّة ثانية لأمحونّك من ديوان النبوّة . فعضّ زكريا على الصبر حتى قطع بشطرين « 2 » . فقلت في نفسي : لقد كان زكريّا صبّارا ! إلهي وسيدي ! لئن ابتليتني لأصبرنّ . وسرت حتى دخلت أنطاكية فرآني بعض إخواني وعلم أني أريد الثّغر ، فدفع إليّ ترسا وسيفا وحربة للسّبيل ، فدخلت الثّغر ، وكنت حينئذ أحتشم من اللّه تعالى أن آوي إلى وراء السّور خيفة من العدو ، فجعلت مقامي في غابة ، أكون فيها بالنهار وأخرج بالليل إلى شاطئ البحر فأغرز الحربة على الساحل ، وأسند التّرس إليها محرابا ، وأتقلّد سيفي ، وأصلّي إلى الغداة ، فإذا صلّيت الصبح غدوت إلى الغابة فكنت فيها نهاري أجمع ، فنظرت في بعض الأيام إلى شجرة بطم قد بلغ بعضه وبعضه أحمر وبعضه أخضر « 3 » ، وقد وقع عليه النّدى وهو يبرق ، فاستحسنته ونسّيت « 4 »
هامش
( 1 ) في ( أ ، ل ) : « تعلق » . والمثبت من مناقب ابن خميس . ( 2 ) في مناقب ابن خميس : « شطرين » . ( 3 ) البطم : الحبّة الخضراء ، أو شجرها ، ثمره في عناقيد كالفلفل ، حبّها مفرطح ، مسخّن مدرّ باهي ، نافع للسّعال واللّقوة والكلية . القاموس ومعجم متن اللغة ( بطم ) . ( 4 ) في مناقب ابن خميس : « وأنسيت » .