وقال جعفر الخلديّ : سألت خيرا النسّاج : أكان النّسج حرفتك ؟ قال :
لا . قلت : فمن أين سمّيت به ؟ قال : كنت عاهدت اللّه تعالى أن لا آكل الرّطب أبدا ، فغلبتني نفسي يوما فأخذت نصف رطل ، فلما أكلت واحدة إذا رجل قد نظر إليّ فقال : يا خير يا آبق ! تهرب مني ؟ وكان له غلام اسمه خير قد هرب منه فوقع عليّ شبهه ، فاجتمع الناس فقالوا : هذا واللّه غلامك خير ، فبقيت متحيّرا ! وعلمت بما أخذت ، وعرفت خيانتي . فحملني إلى حانوته الذي كان ينسج فيه غلمانه ، فقالوا : يا عبد السّوء ! تهرب من مولاك ؟ ادخل فاعمل عملك الذي كنت تعمل . فأمرني بنسج الكرباس « 1 » ، فدلّيت رجلي على أن أعمل ، فكأنّي كنت أعمل من سنين ، فبقيت معه أربعة أشهر أنسج له ، فقمت ليلة فتمسّحت وقمت إلى صلاة الغداة ، فسجدت وقلت في سجودي : إلهي لا أعود إلى ما فعلت . فأصبحت وإذا الشبه قد ذهب عنّي وعدت إلى صورتي التي كنت عليها فأطلقت ، فثبت عليّ هذا الاسم ، فكان سبب النسج إتيان شهوة عاهدت اللّه أن لا آكلها ، فعاقبني اللّه بما سمعت « 2 » .
وكان يقول : لا نسب أشرف من نسب من خلقه اللّه بيده فلم يعصمه ، ولا علم أرفع من علم من علّمه اللّه الأسماء كلّها فلم ينفعه في وقت جريان القضاء عليه ، ولا عبادة أتمّ ولا أكثر من عبادة إبليس ، فلم ينفعه ذلك من أن صار إلى ما سبق له من اللّه تعالى « 3 » .
وقيل : إنما سمّي خيرا لأنه خرج إلى الحجّ فأخذه رجل على باب
هامش
( 1 ) الكرباس ، بالكسر : ثوب القطن الأبيض . معرّب ، فارسيّته بالفتح . القاموس ( كربس ) .
( 2 ) الحلية 10 / 307 ، 308 وتاريخ بغداد 8 / 345 ، 346 ، وانظر طبقات الصوفية ص 322 .
( 3 ) طبقات الصوفية ص 324 والحلية 10 / 308 .