ومنه : صبروا في مدّة الأجل القصير عن متاع الغرور الذي إلى الفناء يصير ، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها ، ونظروا إلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها ، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها ، فأكلوا منها قدر ما ردّ النفس ، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي قد اشتدّ نتن ريحها . وإنما الدنيا ثلاثة أيام : يوم مضى لا ترجوه ، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه ، ويوم يأتي ولا تدري أنت من أهله أم لا . فأمّا أمس فحكيم مؤدّب ، وأما اليوم فصديق مودّع ، غير أنّ أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته ، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه ، وقد كان عنك طويل الغيبة ، وهو الآن عنك سريع الرحلة ، وإياك أن تدخل على اليوم همّ غده ، يكفي اليوم همّه « 1 » .
وقال أبو بكر الهذلي « 2 » : كنّا عند الحسن فأتاه آت فقال : يا أبا سعيد ! دخلنا آنفا على عبد اللّه بن الأهتم ، فإذا هو يجود بنفسه فقلنا : أبا معمر ! كيف تجدك ؟ قال : أجدني واللّه وجعا ، ولا أظنّني إلا لما بي ، ولكن ما تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق لم تؤدّ منها زكاة ، ولم يوصل منها رحم ؟ فقلنا : يا أبا معمر ! فلمن كنت تجمعها ؟ قال : كنت واللّه أجمعها لروعة الزمان ، وجفوة السّلطان ، ومكاثرة العشيرة . فقال الحسن : البائس انظروا « 3 » أنّى أتاه شيطانه ، و [ حذّره ] روعة زمانه ، وجفوة سلطانه ، عما استودعه اللّه وعمّره فيه ، خرج واللّه منه سليبا حريبا ذميما « 4 » مليما ؛ إيها
هامش
( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 2 / 137 ، 138 مطوّلا .
( 2 ) في ( أ ، ل ) : « أبو بكر النهدي » تصحيف ، والمثبت من الحلية 2 / 144 ، وترجمته في الكامل لابن عدي 3 / 321 ، والإكمال لابن ماكولا 4 / 326 ، وتهذيب الكمال 33 / 159 ، وميزان الاعتدال 2 / 194 ، وتوضيح المشتبه 5 / 143 ، ولسان الميزان 3 / 71 .
( 3 ) في الحلية : « انظروا هذا البائس » .
( 4 ) في الحلية : « حزينا ذميما » ، وفي ( ل ) : « دميما مليما آها . . » بالدال المهملة . -