تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وقال : واللّه يا بن آدم لئن قرأت القرآن ، ثم آمنت به ليطولنّ في الدنيا حزنك ، وليشتدّنّ في الدنيا خوفك ، وليكثرنّ في الدنيا بكاؤك « 1 » . وقال : ويحك يا بن آدم ! هل لك بمحاربة اللّه طاقة ؟ إنّه من عصى اللّه فقد حاربه ؛ واللّه لقد أدركت سبعين بدريّا أكثرهم لباسهم الصوف ، لو رأيتموهم قلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم لقالوا : ما لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا أشراركم لقالوا : ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب . لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه ، ولقد رأيت أقواما يمشي أحدهم لا يجد عنده إلا قوتا فيقول : لا أجعل هذا كلّه في بطني . ولأجعلنّ بعضه للّه عزّ وجلّ ، فيتصدّق ببعضه ، وإن كان هو أحوج ممّن يتصدّق به عليه « 2 » . وقال من كتاب كتبه إلى عمر بن عبد العزيز : فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة ، التي قد تزيّنت بخدعها ، وغرّت بغرورها ، وقتلت أهلها بآمالها ، فأصبحت كالعروس المجلوّة ؛ العيون إليها ناظرة ، والنفوس لها عاشقة ، والقلوب بها والهة ، وهي لأبنائها دامغة ، ولهم كلّهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بما رأي من الأوّل مزدجر ، ولا اللبيب بكثرة التجارب معتبر ، ولا العارف باللّه والمصدّق له حين أخبر عنها مدّكر ؛ فاحذرها كلّ الحذر ، فإنّها كالحيّة ، ليّن مسّها وسمّها يقتل ، فأعرض عما يعجبك فيها بقلّة ما يصحبك منها ، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها ، وأيقنت به من فراقها ، سرورها مشوب بالحزن ، وآخر الحياة فيها الضّعف والوهن ، وعيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأنت فيها على خطر ، إما نعمة زائلة ، وإما بلية نازلة « 3 » .
هامش
( 1 ) الزهد لأحمد ص 259 والحلية 2 / 134 . ( 2 ) الحلية 2 / 134 . ( 3 ) الحلية 2 / 135 ، 136 بخلاف في اللفظ يسير .