تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المختار من مناقب الأخيار — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
وقال : عملت كتاب المعرفة واستقصيته وأعجبت به ، فبينا أنا ذات يوم انظر فيه مستحسنا له إذ دقّ إنسان الباب فقلت : من هذا ؟ فقال : رجل يسأل عن مسألة . قلت : ادخل . فدخل وعليه ثياب رثّة ، فسلّم عليّ وقال لي : يا أبا عبد اللّه ! المعرفة حق الحق في الخلق ، أو حقّ للخلق على الحقّ ؟ فقلت له : حقّ للحقّ في الخلق . فقال : هو أولى بكشفها لمستحقّها ؟ فقلت له : بل حقّ للخلق على الحقّ . فقال : هو أعدل « 1 » من أن يظلمهم . ثم سلّم عليّ وخرج . قال الحارث : فأخذت الكتاب وخرّقته وقلت : لا عدت أتكلّم في المعرفة بعد ذلك « 2 » . أمّا كلام المحاسبي رحمه اللّه في علم الحقيقة فإليه المنتهى ، ليس لأحد من المشايخ مثله ، وقد كثر جدّا ، وقد اختصرنا منه على نكت يستدلّ بها على قدر ما عنده من نعمة اللّه تعالى عليه في العلم الذي خص به . فمن كلامه أنه قال : أصل الطاعة الورع ، وأصل الورع التقوى ، وأصل التقوى محاسبة النفس ، وأصل محاسبة النفس الخوف والرجاء ، وأصل الخوف والرجاء معرفة الوعد والوعيد ، وأصل معرفة الوعد والوعيد ذكر عظم الجزاء ، وأصل ذلك الفكرة والعبرة ، وأصدق بيت قالته العرب قول حسّان بن ثابت :
وما حملت من ناقة فوق رحلها * أعفّ وأوفى ذمّة من محمد « 3 »
وقال : من صحّح باطنه بالمراقبة والإخلاص ، زيّن اللّه ظاهره بالمجاهدة واتّباع السّنة لقوله تعالى :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] « 4 » .
هامش
( 1 ) في ( ل ) : « هو أقرب أعدل من . . . » . ( 2 ) المناقب لابن خميس 47 ب ومختصره 44 ب . ( 3 ) الحلية 10 / 76 والمناقب لابن خميس 46 ب ، 47 أ ، والبيت في ديوان حسان . ( 4 ) الحلية 10 / 75 وانظر طبقات الصوفية ص 58 و 60 .